الجمعة 07 أغسطس 2026 الموافق 24 صفر 1448

صورة البرجولة وعفريتة التسريبات..ماذا يحدث داخل المكتب الفني للوزير؟

1694
المستقبل اليوم

منذ فترة، نُشرت صورة للمهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، وهو يقف تحت إحدى البرجولات داخل مقر الوزارة، ويتحدث مع رئيسة إحدى الشركات الأجنبية العاملة في مصر، وهي مصرية في الأساس، كان اللقاء يبدو جانبياً وبسيطاً، والحديث يدور حول الاستثمار وأعمال الشركة، جاء عقب إجتماع طويل، ولم يكن في الصورة ظاهرياً ما يستدعي التوقف أمامها .

لكن مع مرور الوقت، وتوالي عمليات إعادة عدد من العاملين بالمكتب الفني للوزير إلى شركاتهم، أصبح من المشروع أن نطرح سؤالاً ربما يبدو غريباً: هل تسببت «صورة البرجولة» بشكل أو بآخر في بعض ما يحدث داخل المكتب الفني؟ أم أن الربط بين الأمرين مجرد مصادفة لا أكثر؟

لا نملك دليلاً يسمح بالإجابة بنعم، وبالتالي لا يمكن الجزم بوجود علاقة بين الصورة وبين حركة التنقلات والاستبعادات التي جرت لاحقاً، لكن التسلسل الزمني للأحداث يفرض السؤال، خصوصاً بعدما أصبح مصطلح «التسريبات» حاضراً في تفسير ما يحدث داخل أروقة الوزارة.

بعد تلك الفترة، توالت عمليات إعادة أعداد من العاملين بالمكتب الفني إلى شركاتهم، في البداية مر الأمر بصورة طبيعية، باعتباره حقاً أصيلاً للإدارة في إعادة تشكيل فريق العمل واختيار العناصر التي تتناسب مع المرحلة، ولم يتوقف أحد أمام كلمة «التسريب»، ولم يكن هناك ما يدفع إلى ربط خروج هؤلاء الموظفين بوجود أزمة أمن معلومات داخل المكتب.

لكن المشهد تغير بعد ظهور خطاب على إحدى الصفحات المناهضة والمعادية للدولة، وهنا بدأت كلمة «التسريبات» تتردد، وبدأ معها الاشتباك والبحث عن مصدر خروج الأوراق والمعلومات.

وفي كل مرة تقريباً تعود فيها القضية إلى السطح، نجد حديثاً عن خروج عناصر أخرى من المكتب الفني، بعضها أمضى سنوات طويلة في العمل داخله، واكتسب خبرات مهمة في طبيعة الملفات والمكاتبات والعروض ومتابعة أعمال الوزارة، وبين هؤلاء شباب وشابات يستحقون كل التقدير والمحبة، ولا يجوز أن تتحول سنوات وجودهم في المكتب إلى شبهة تحاصرهم لمجرد خروجهم منه.


وأخيراً، فقد تم الاستغناء عن ثلاث موظفين في المكتب الفني للوزير، والقرار شمل ثلاثة أسماء هي: رحاب الملاحي، وأحمد بهاء، وشريهان يسري، وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن رحاب الملاحي من أصحاب الخبرة الاستراتيجية في الوزارة، وعملت بها لنحو 13 عاماً، بينما أحمد بهاء أحد خريجي البرنامج الرئاسي ومن العناصر المتألقة في العمل خلال الفترة الماضية، في حين كانت شريهان يسري عضواً بوحدة التعاون الدولي، وسبق لها العمل في متابعة الخطابات، وأمضت بالوزارة سبع سنوات أو يزيد.

هذه المعلومات لا تثبت قطعياً أن خروج هؤلاء كان مرتبطاً بالتسريبات، لكنها توثق شيئاً واحداً مهماً: أن عملية إخراج عناصر من المكتب الفني ممتدة، وطالت موظفين من أصحاب الخبرة وسنوات العمل الطويلة.


اللافت أيضاً أن كثيراً ممن يغادرون المكتب الفني يعودون أو ينتقلون إلى شركة إنبي، بل تجري إجراءات نقل بعضهم من شركاتهم الأصلية إلى إنبي، وقد يكون تفسير ذلك بسيطاً: ربما تكون طبيعة شركة إنبي وكوادرها هي الأقرب إلى طبيعة الأعمال المطلوبة داخل المكتب الفني، سواء من حيث إعداد الدراسات والعروض أو التعامل مع الملفات الفنية والاستراتيجية.

وهذا تفسيري الشخصي، ولن أنزلق إلى تفسيرات أخرى لا تستند إلى معلومات موثقة، لكن تكرار اسم إنبي في حركة الدخول والخروج من المكتب الفني يظل ملاحظة تستحق التسجيل عند توثيق ما يجري.


ولا أعتقد أن الدكتورة عبير الشربيني، المسؤولة عن المكتب الفني، يمكن تحميلها وحدها مسؤولية خروج كل هذه الأعداد أو نقلها، من حقها بالتأكيد أن تتدخل في اختيار فريقها، وأن تطلب نقل شخص أو استبداله بآخر إذا رأت أن طبيعة العمل تستوجب ذلك، وهذا حق لا يمكن لأحد إنكاره.

لكن من يعرف طريقة صناعة القرار داخل الوزارات يعلم أيضاً أن هناك قيادات وشخصيات أخرى تستطيع رفع توصيات إلى الوزير بشأن بعض العاملين، وربما تكون هناك طلبات بإبعاد أشخاص أو نقلهم لا تعلم بها مسؤولة المكتب الفني إلا بعد اتخاذ القرار أو بالتزامن معه، ولهذا فإن وضع كل ما يحدث على كتف عبير الشربيني وحدها قد لا يكون منصفاً.

ووسط كل هذا يبقى السؤال الأهم: هل تم ضبط دليل على أن واحداً ممن تم إخراجهم من المكتب الفني هو الذي قام بالتسريب؟، إذا كان هناك دليل، فالأمر واضح، ومن حق الوزارة حماية معلوماتها ومستنداتها واتخاذ الإجراءات التي تراها وفق القانون، لكن إذا لم يوجد دليل، فمن قال إن الذين خرجوا هم الذين سربوا؟، وماذا لو كان مصدر التسريب شخصاً آخر؟، بل ماذا لو كان شخصاً محسوباً على مسؤول أو تابع لقيادة ما، بينما دفع آخرون الثمن؟، وماذا لو كانت «عفريتة التسريبات» ما زالت موجودة داخل المكتب الفني، أو ربما في المكتب المجاور، تشاهد خروج الآخرين واحداً تلو الآخر؟، هذه ليست اتهامات لأحد، وإنما أسئلة تفرضها طبيعة القضية نفسها.


هناك أيضاً نقطة جوهرية ينبغي ألا تضيع وسط كل هذه الاتهامات، فالخطاب الذي قيل إنه جرى تسريبه كان، بحسب المعلومات المتداولة، موجوداً لدى أكثر من جهة، وإذا كانت هناك نسخ منه خارج المكتب الفني أصلاً، فإن تحديد مصدر خروجه يحتاج إلى تحقيق حقيقي في دورة تداول المستند، وليس مجرد الاشتباه في أشخاص لأنهم يعملون في مكان بعينه، أما إذا كان الأمر يتعلق بما أثير بشأن مرض زوج الدكتورة عبير الشربيني، فهذا تحديداً لا أراه موضوعاً يصلح للدخول في هذه السلة من الأساس، لأن المرض قدر من عند الله، ولا يجوز تحويل ظرف إنساني كهذا إلى مادة في المعركة، أو استخدامه لتوجيه الاتهامات أو تصفية الحسابات.

ولهذا نعود مرة أخرى إلى الصورة التي بدأنا منها، هل كانت صورة البرجولة مجرد صورة عادية، أم أنها كانت واحدة من الوقائع التي دفعت إلى تشديد الرقابة على ما يخرج من المكتب الفني؟، وهل اعتبر أحد أن تصوير لقاء جانبي للوزير ونشره يمثل مؤشراً على أن تفاصيل تحركاته داخل مقر الوزارة أصبحت تخرج بسهولة؟، وهل بدأت منذ ذلك الوقت مراجعة الأشخاص الموجودين في محيط المكتب والوزير؟، أم أن كل ذلك مجرد تزامن، وأن عمليات إعادة العاملين إلى شركاتهم لها أسباب أخرى لا علاقة لها بالصورة ولا بالتسريبات؟

لا توجد لدينا معلومات موثقة تسمح بحسم أي من هذه الاحتمالات، ولذلك تبقى «صورة البرجولة» سؤالاً في هذا الملف وليست دليلاً أو اتهاماً.


القضية إذن أكبر من موظف عاد إلى شركته أو آخر جاء بدلاً منه، إذا كانت هناك خطة لإعادة تشكيل المكتب الفني، فهذا حق الوزير وإدارته، وإذا كان هناك تقييم للأداء وضخ دماء جديدة، فهذا أمر طبيعي في أي مكان، وإذا ثبتت واقعة تسريب على شخص بعينه، فهناك إجراءات وقواعد تحكم التعامل معها، لكن إذا كانت هناك معارك داخلية، أو ضربات استباقية، أو تصفية حسابات بين الكبار يدفع ثمنها الصغار، فهنا تصبح القصة مختلفة تماماً.

فالذين يغادرون ليسوا مجرد أسماء في كشوف الموظفين، بعضهم أمضى سنوات من عمره في الوزارة، وبعضهم اكتسب خبرة يصعب تعويضها، وبعضهم من الشباب والشابات الذين بنوا مساراً مهنياً داخل المكتب الفني ثم وجدوا أنفسهم فجأة خارجه، ولذلك، قبل أن نبحث عن «العفريتة» التي تسرب الأوراق، علينا أن نسأل أولاً: هل ثبت أصلاً أن الذين خرجوا هم أصحاب التسريبات؟

ثم السؤال الأصعب: هل كانت «صورة البرجولة» بداية الحكاية.. أم مجرد صورة تصادف أنها سبقت عاصفة المكتب الفني؟، وربما يكون السؤال الذي ستجيب عنه الأيام: هل خرج صاحب التسريب فعلاً من المكتب.. أم أن «العفريتة» ما زالت هناك؟

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط