الإثنين 23 مارس 2026 الموافق 04 شوال 1447

بين الضرورة والتكرار..هل تحولت المؤتمرات البترولية لطقس سنوي ؟

358
المستقبل اليوم

في مطلع الألفية، تم عقد مؤتمر البحر المتوسط (الموك) بالتعاون بين مصر وإيطاليا، فكانت تستضيفه تارة مدينة الإسكندرية، وتارة أخرى مدينة رافينا بإيطاليا. ولم تكن فكرة المؤتمر عبثية، بل انطلقت من ضرورة الاهتمام بالغاز والدول المنتجة له والمصدّرة أيضًا، وإذا ما قارنا هذه الفترة بالسابقة، سنجد أننا في حاجة إلى ذلك، مع اختلاف جوهري، إننا اليوم نبحث عن الغاز، بينما في الفترات الماضية كنا نبحث عن تعظيم الاستفادة منه.

ومع تولي المهندس طارق الملا حقيبة وزارة البترول، تم وقف مؤتمر “الموك”، أو التعمد لإماتته إكلينيكيًا، وحتى في الدورات التي عُقدت، كان يُنظم على استحياء، لدرجة أن الوزير رفض حضور إحدى دوراته بحجة ارتباطه بسفر إلى الخارج، دون أن يدرك أحد أن ذلك كان إيذانًا بميلاد مؤتمر جديد، وهو مؤتمر “إيجيبس”، وفي أخر نسخة لمؤتمر الموك والتي عقدت في عهد المهندس كريم بدوي، لم تخرج توصيات المؤتمر حتى تاريخه، في أمر غريب وعجيب .

ولا غبار على فكرة “إيجيبس”، إذ يجمع عددًا كبيرًا من الشركات في تجمع يُعد الأكبر، على غرار مؤتمر أبوظبي للطاقة "أديبك"، لكن التطبيق ربما تشوبه بعض الشوائب، ففكرة عقد المؤتمر سنويًا ليست ضرورية، خاصة أن صناعة البترول صناعة طويلة الأمد، وما يُتفق عليه اليوم قد يستغرق سنوات لتطبيقه، وكان من الممكن عقده كل عامين أو ثلاثة، إلا أنه تم إقناع وزير البترول بضرورة انعقاده سنويًا، بل إن الدورتين الأخيرتين لم تشهدا توقيع اتفاقية بترولية واحدة، كما أن الدورات السبع للمؤتمر شهدت تكرار توقيع اتفاقية شركة تكنولوجيا الأخشاب أكثر من مرة، قبل خروج المشروع للنور، بل إن مشروع البحر الأحمر للبتروكيماويات تم توقيعه أكثر من خمس مرات ولم يخرج للنور حتى الآن، ولو راجعنا البيانات المنشورة، سنجد أن الوزارة لم يكن لديها جديد تقدمه، فلجأت إلى إعادة طرح اتفاقيات قديمة لإظهار وجود جديد.

والآن، في ظل الأحداث الحالية، ومع تزايد التحولات السياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط، والخليج، تبرز العديد من التساؤلات حول جدوى انعقاد مؤتمر ومعرض “إيجيبس” في موعده، حتى في ظل تعليمات وقرارات حكومية داخلية بوقف الإحتفالات والمناسبات .

وحتى الآن، سيُعقد المؤتمر في موعده دون تغيير، رغم أن اللجنة المسؤولة برئاسة الوزير انعقدت دون أن تُصدر بيانًا واحداً للإعلام، ربما تحسبًا لقرارات مجلس الوزراء بإلغاء المؤتمرات والمناسبات، ويأتي ذلك في وقت يرى فيه بعض الخبراء ضرورة طرح فكرة تأجيل المؤتمر لحين استقرار الأوضاع فى المنطقة، حتى يستطيع المؤتمر جذب الشركاء أو على الأقل حضورهم للفعاليات .

ومن المعروف أن الشركة المنظمة حصلت على رسوم المشاركة من الشركات، بل وحصلت أيضًا على اشتراكات العام المقبل 2027، كما يحدث كل عام، وهو ما يثير التساؤل: لماذا هذا التعجل؟ فالشركات موجودة، ويمكن تحصيل الاشتراكات في أي وقت، لكن من الواجب أيضًا مراعاة الظروف المحيطة، فمن سيحضر المؤتمر في ظل هذه الأوضاع؟ ومن سيشارك؟ وهل ستكون لمشاركة الشركاء الموجودين في مصر جدوى حقيقية؟ خاصة أن هؤلاء الشركاء يعملون بالفعل وفق خطط استثمارية قائمة، ولا يربطون قراراتهم الاستثمارية بحضور المؤتمرات.

فخريطة الطاقة العالمية مترابطة، الخليج مرتبط بأوروبا، وأوروبا مرتبطة بالولايات المتحدة، والشركات التي تعمل هنا تعمل هناك، ولكل شركة خططها واستثماراتها التي توزعها وفق الفرص المتاحة والبديلة.

ولا يمكن تصور أن تصر الوزارة على انعقاد “إيجيبس” في موعده بدعوى توقيع عدد من الاتفاقيات، مثل اتفاقيات الغاز القبرصي، فهذه ليست مبررات كافية، إذ يمكن توقيع تلك الاتفاقيات بعيدًا عن المعرض، دون الحاجة لربطها بفعالياته.
ورغم ذلك، لا تزال الاستعدادات جارية لانعقاد الدورة الحالية في موعدها دون تغيير حتى الآن.

وربما يكون الطرح الأجدر بالمناقشة هو إمكانية عقد مؤتمر ومعرض “إيجيبس” كل عامين، بما يوفر النفقات، ويمنح فرصة أفضل للاستعداد، ويسهم في تحقيق نتائج حقيقية من استثمارات واتفاقيات قابلة للتنفيذ، بدلًا من الاكتفاء بخطابات النوايا وبروتوكولات التعاون التي كثيرًا ما تظل حبرًا على ورق.

وإذا ما عدنا إلى العام الماضي، سنجد أن شركة “إنبي” وقّعت مع “صان مصر”، و“صان مصر” وقّعت مع “بتروجت”، و“بتروجت” وقّعت مع “مصر للبترول”، في مشهد يعكس أن معظم التوقيعات كانت داخلية، وكأننا أمام مؤتمر لتأكيد التعاون بين أطراف تعمل بالفعل معًا، وليس منصة حقيقية لجذب استثمارات جديدة، هذا بالإضافة إلى اساطيل السيارات التي تحمل القيادات من المحافظات وحجز الفنادق وحرق البنزين على الطرقات، وتناثر موظفي العلاقات العامة في كل مكان، وفى النهاية تكتب الصحف: مشاركة فعالة، مشاركة منقطعة النظير، جناح أكثر تألقاً، جناح أكثر إشراقا.
#عثمان_علام




تم نسخ الرابط