عندما يجلس القيادات على الكراسي ويعملون بنظام الاستئذان المسبق
عندما تحدثت سابقًا عن ضرورة عودة الصلاحيات داخل قطاع البترول، لم يكن ذلك مجرد كلمات تُساق في مقالات صحفية تحمل رأي كاتبها فحسب، بل كان تعبيرًا عن نبض حقيقي داخل المجتمع البترولي، خصوصًا بين القيادات التنفيذية التي أنهكتها المراسلات المتكررة والإجراءات المطولة التي لا تفضي في كثير من الأحيان إلى نتائج حاسمة.
فحينما تتجمع السلطات في يد عدد محدود من الأشخاص داخل منظومة يتجاوز قوامها 300 ألف موظف، يصبح الأمر مرهقًا لصاحب القرار نفسه قبل غيره، كما يتحول إلى قيد حقيقي على سرعة الأداء وكفاءة الإدارة. وتزداد هذه الإشكالية حينما يغيب ما يمكن أن نطلق عليه ـ مجازًا ـ “شجاعة الجهل”؛ وهو تعبير لا يحمل معنى سلبياً، بل يُستخدم في أدبيات اللغة للدلالة على الجرأة في اتخاذ القرار وسرعته، وعدم التردد أمام الضغوط أو التردد المفرط الذي يعطل العمل.
إن المشاركة في اتخاذ القرار ليست ترفًا، بل هي أحد أهم مفاتيح الإبداع والتطوير داخل المؤسسات الكبرى، لأنها تفتح المجال لتعدد وجهات النظر وتوسيع دائرة الخبرة، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة القرار وفاعليته.
المتأمل في شؤون القطاع يلحظ أن كثيرًا من الملفات المهمة تُسند في بعض الأحيان إلى غير المتخصصين. وهنا لا أقصد بالطبع الإداريين في مواقعهم الطبيعية من شؤون عاملين أو قانونيين أو ماليين، فلكل منهم دوره الحيوي داخل المنظومة، وإنما الحديث عن إسناد ملفات فنية أو قيادية تتطلب خبرة ميدانية عميقة إلى من لا يملكون هذه الخلفية.
وحتى وقت قريب، كان ديوان وزارة البترول يضم نخبة من كبار الفنيين الذين تدرجوا في السلم الوظيفي حتى وصلوا إلى مواقع الوكلاء. لم تأتِ هذه القيادات من خارج القطاع، بل نشأت داخله وعاشت تفاصيله عملياً وإدارياً.
كان الوكيل المختص يصدر القرار في نطاق اختصاصه، ثم يُحال إلى الجهة القانونية والإدارية لصياغته بشكل رسمي، قبل توزيعه للتنفيذ. ولم تكن الأمور تتجاوز هذا الإطار البسيط والفعال. كما أن حجم المراسلات كان محدودًا، لأن رؤساء الشركات كانوا يمارسون صلاحياتهم الكاملة في إدارة شركاتهم واتخاذ ما يلزم من قرارات.
ولا ينبغي أن تقودنا بعض حالات الانحراف الفردية إلى تقييد الصلاحيات بشكل كامل؛ فالقلة المنحرفة لا يمكن أن تكون حجة على الأغلبية المستقيمة، كما أن الفاسدين لم يكونوا يومًا مبررًا لتقييد الأوفياء أو تعطيل قدراتهم.
لقد شهدت فترات سابقة ـ خاصة في عهد وزير البترول الأسبق المهندس سامح فهمي ـ وجود عدد كبير من الوكلاء داخل الديوان العام، كل منهم يمارس دوره في نطاق تخصصه. وكان من بينهم شخصيات بارزة تدرجت في مواقع مختلفة داخل القطاع مثل المهندسون : عبدالعليم طه، محمود نظيم، الراحل رفعت خفاجه، عبدالله غراب الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للبترول، والمهندس شريف إسماعيل الذي تولى فيما بعد رئاسة مجلس الوزراء، إلى جانب الراحل شامل حمدي وآخرين كثيرين، أبرزهم وهبه عيسى، ورغم أن الديوان ربما لم يكن يتسع لكل هؤلاء، فإن القطاع نفسه كان يتسع لخبراتهم وقراراتهم، وكانت قراراتهم نافذة وسريعة التنفيذ، بما يحقق كفاءة أعلى في إدارة الملفات.
ما نشهده اليوم هو قدر كبير من مركزية السلطات، بل إن البعض يصفه بأنه سحب تدريجي للصلاحيات من مواقعها الطبيعية، وقد سبق أن أشرت إلى أن هذا النهج بدأ يتشكل منذ السنوات الأولى من تولي المهندس طارق الملا وزارة البترول، حيث برز اتجاه واضح نحو إحكام السيطرة المركزية على كثير من الملفات.
وغالبًا ما يُسوَّق لهذا النهج باعتباره وسيلة للحفاظ على استقرار الكرسي أو تدعيم موقف الوزير، لكن التجارب أثبتت أن التغيير سنة الحياة، وأن المناصب زائلة مهما طال الزمن، بينما يبقى القطاع والعاملون فيه والمؤسسات التي تقوم عليها الدولة.
المؤلم في المشهد الحالي أن ترى رؤساء شركات وقوابض كبرى وصغرى وقد تراجعت مساحة القرار لديهم بشكل واضح. فكثيرًا ما تسمع من أحدهم عند مناقشة مسألة ما:
“سأرسل الموضوع للإدارية”،
أو “سنخاطب القانونية”،
أو “ينبغي عرضه على العلاقات الحكومية”، وفي أحيان أخرى يكون الرد أكثر صراحة: “ليست لدي صلاحيات”.
وهذا يحدث رغم أن كل شركة تضم بالفعل ممثلين للإدارات المختلفة من قانونية وإدارية ومالية، وهم جزء من هيكل اتخاذ القرار داخل الشركة نفسها.
الأكثر إشكالية أن بعض مواقع الإدارة تُسند أحيانًا إلى أشخاص لا تتجاوز معرفتهم بصناعة البترول ما قرأوه في الكتب أو سمعوه من مديريهم الفنيين، بينما يظل من عايش الحقول وشاهد تدفق الزيت والغاز على أرض الواقع بعيدًا عن دوائر القرار أو محدود الصلاحيات.
وهنا تظهر المفارقة: من يمتلك الخبرة العملية الحقيقية هو الأقدر غالبًا على توظيف الكفاءات وتوزيع الأدوار بشكل صحيح.
خلاصة القول، وهي فكرة سبق أن طرحتها مرارًا، أن عودة الصلاحيات إلى مواقعها الطبيعية تمثل أحد أهم مفاتيح إصلاح الأداء داخل القطاع.
فالمدير ـ مثل الأديب ـ لا يستطيع أن ينتج أو يبدع إذا كان مقيد اليدين. وحتى إن وضعت الوزارة إطارًا عامًا أو “مسطرة تنظيمية” تحكم العمل، فإن ذلك لا يتعارض مع منح القيادات الحرية اللازمة لاتخاذ القرار داخل هذا الإطار.
إن استمرار تراكم المكاتبات وتعطيل الملفات في الأدراج لن يخدم الإنتاج ولا التطوير. ولذلك فإن المطلوب ببساطة هو: وضع قواعد واضحة تحكم العمل وتوزيع الصلاحيات بشكل عادل وتمكين القيادات المؤهلة من اتخاذ القرار.
فقط عندها يمكن للقطاع أن يتحرك بكفاءة أعلى، وأن تتحول الملفات المتراكمة إلى إنجازات حقيقية تعود بالنفع على قطاع البترول والاقتصاد الوطني ككل.
#المستقبل_البترولي