الأحد 16 أغسطس 2026 الموافق 03 ربيع الأول 1448

عذرًا يا دكتور فؤاد..البترول ليست وزارة بروباجندا

986
محمد فؤاد
محمد فؤاد

من حق الدكتور محمد فؤاد، ومن حق أي خبير أو نائب أو صحفي، أن ينتقد أداء وزارة البترول والثروة المعدنية، بل إن النقد الموضوعي ضرورة، خصوصًا في قطاع شديد الحساسية يمس الاقتصاد والأمن القومي وفاتورة الاستيراد والعملات الأجنبية، لكن النقد شيء، وبناء اتهام كامل على قراءة انتقائية للمعلومات شيء آخر.

كتب الدكتور محمد فؤاد منتقدًا ما وصفه بالطريقة التي تجعل «وزارة البترول عندنا عاملة خبر حاجة فيه BP تتكلم عن توقعاتها الواعدة لمصر»، ثم استند إلى تقرير نشرته MEES في 22 مايو 2026 تحت عنوان “BP Plans Egypt Asset Sale As Output Declines”، ليخلص إلى أن الحديث الإيجابي عن نشاط bp في مصر يدخل في إطار «البروباجندا»، وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف، لأن الوثائق المنشورة تقول إن الصورة أكثر تعقيدًا بكثير من ذلك.

والأهم: ما نُشر عن نظرة bp لأنشطتها ومشروعاتها في مصر ليس اختراعًا إعلاميًا مصريًا، فالشركة نفسها أدرجت تطورات مصر ضمن بند “Strategic Progress” في إفصاحاتها الرسمية للمستثمرين.

أولًا: ماذا قالت MEES فعلًا؟

نعم، تقرير MEES المنشور في 22 مايو 2026 موجود، وعنوانه بالفعل: “BP Plans Egypt Asset Sale As Output Declines”، وتحدث عن أن bp استطلعت اهتمام شركات بشأن بيع محتمل لبعض أصولها في مصر، في إطار الاستراتيجية الجديدة للشركة، لكن التقرير نفسه لم يقل إن bp قررت الخروج النهائي من مصر، بل أشار صراحة إلى أن أصول شركة Arcius Energy، المشروع المشترك بين bp وXRG، لم تكن مطروحة للبيع في ذلك الوقت.

إذن هناك فارق كبير بين إعادة هيكلة محفظة أصول وبين القول إن الشركة «تبيع 50% من نشاط مصر» بالمعنى الذي يوحي بأنها تهجر السوق المصرية.

https://www.bp.com/investors/results-reporting-and-presentations/quarterly-results-and-webcast

بل إن MEES نفسها نشرت في العدد ذاته تقريرًا آخر عن إنتاج مصر، سجل ارتفاع إنتاج الزيت في الربع الأول من 2026 إلى متوسط 523.6 ألف برميل يوميًا، مع استمرار مشكلة تراجع إنتاج الغاز، أي أن الصورة، حتى لدى المصدر الذي استند إليه الانتقاد، ليست سوداء أو بيضاء.

ثانيًا: ماذا قالت bp نفسها عن مصر؟

في الإفصاح الرسمي لشركة bp عن نتائج الربع الأول من 2026، والمودع لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية SEC، وضعت الشركة تحت عنوان Strategic Progress – التقدم الاستراتيجي ثلاث نقاط تخص مصر مباشرة.

قالت bp إنها وقعت في مارس مع شركة جنوب الوادي المصرية القابضة للبترول مذكرة تفاهم بشأن إسناد القطاع رقم 6 بالبحر الأحمر.
وقالت إنها أعلنت في أبريل عن اكتشاف مهم للغاز والمتكثفات قبالة السواحل المصرية بعد نجاح حفر البئر الاستكشافي Denise W-1 في امتياز تمساح، مشيرة إلى أن ذلك يأتي بعد اتفاق ملزم مع الهيئة المصرية العامة للبترول وإيجاس لتجديد امتياز تمساح لمدة 20 عامًا.

ثم أكدت أن Arcius، التي تمتلك bp فيها 51% مقابل 49% لشركة XRG، اتخذت قرار الاستثمار النهائي لتطوير حقل Harmattan في امتياز البرج البحري بمصر.

الأهم أنه هذه ليست عبارات صادرة عن إدارة إعلام وزارة البترول، ولا منشورًا دعائيًا على صفحة فيسبوك، هذا إفصاح bp نفسها للمستثمرين والأسواق.

فهل عندما ننقل ما تقوله الشركة العالمية عن استثماراتها واكتشافاتها في مصر نكون أمام «بروباجندا»؟ أم أمام معلومات معلنة يجب أن توضع إلى جوار المعلومات السلبية حتى تكتمل الصورة؟ورغم ذلك لم يحدث أن وزارة البترول لا أعلنت ولا نقلت من الأساس.

ثالثًا: Nidoco N-2.. واقعة حقيقية.

في مايو 2026 تحقق كشف الغاز Nidoco N-2 في دلتا النيل، وهو بئر تديره إيني بالشراكة مع bp. وزارة البترول أعلنت وقتها أن معدلات الإنتاج المقدرة تبلغ نحو 50 مليون قدم مكعب غاز يوميًا، وأن البئر حُفرت من البر باتجاه هدف بحري باستخدام تقنيات الحفر المائل.

والنقطة المهمة هنا أن الحديث عن هذا الكشف لم يبق مجرد بيان محلي، فقد ظهر ضمن التطورات الاستراتيجية التي أشارت إليها bp في تقاريرها اللاحقة، بحسب الوثيقة التي استند إليها النقاش الحالي.

إذن نحن أمام بئر حُفرت، وكشف تحقق، وشركة عالمية أدرجته ضمن تقدمها الاستراتيجي، أين إذن «البروباجندا» في نقل واقعة حدثت بالفعل؟

رابعًا: Denise W-1 أكبر من مجرد عنوان

الأمر نفسه ينطبق على Denise W-1، فوزارة البترول أعلنت في 7 أبريل 2026 نتائج الكشف في منطقة امتياز تمساح، وقالت إن التقديرات الأولية تشير إلى نحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز و130 مليون برميل من المتكثفات المصاحبة، مع استمرار إجراءات الاختبارات وتحديد معدلات الإنتاج وخطة التنمية.

قد نناقش التقديرات، وقد نسأل عن موعد بدء الإنتاج، وعن الاستثمارات المطلوبة، وعن سرعة تحويل الكشف إلى غاز فعلي داخل الشبكة، وهذه كلها أسئلة مشروعة.

لكن لا يمكن وصف الإعلان الذي تبنته bp عن الكشف في حد ذاته بأنه «بروباجندا» بينما bp نفسها أدرجته رسميًا تحت بند التقدم الاستراتيجي في تقريرها للمستثمرين.

خامسًا: الأكثر دلالة هو مشروع Harmattan.

bp أعلنت أن Arcius اتخذت قرار الاستثمار النهائي FID لتطوير الحقل، وقرار الاستثمار النهائي في صناعة البترول ليس بوست دعائي ولا أمنية، إنه انتقال المشروع إلى مرحلة الالتزام بالتنفيذ والاستثمار.

وفي مصر بدأت بالفعل خطوات تنفيذية، إذ جرى توقيع عقد للأعمال والتركيبات البحرية الخاصة بالحقل، في إطار خطط الإسراع بتنميته. (البوابة الإلكترونية للحكومة المصرية⁠)

فإذا كانت الشركة تعيد ترتيب بعض أصولها القديمة وفي الوقت نفسه تضخ استثمارات في مشروع جديد، فأين التناقض؟

هذه بالضبط طبيعة شركات الطاقة العالمية: تبيع أصلًا، وتشتري أصلًا أخر ، وتتخارج من منطقة، وتتوسع في أخرى، وتعيد تدوير رأس المال وفق العائد المتوقع.

سادسًا: البحر الأحمر.. هل هذه أيضًا بروباجندا؟

في مارس 2026 وقعت جنوب الوادي وbp اتفاقًا بشأن القطاع رقم 6 بالبحر الأحمر، وهو تطور أكدته bp بنفسها في إفصاحها الرسمي.

والاتفاق لم يكن خبرًا مجهول المصدر، فقد تم توقيعه خلال EGYPES 2026، وبحضور وزير البترول، بين رئيس جنوب الوادي ومسؤول رفيع من bp، بهدف دفع أعمال البحث والاستكشاف وتنمية الموارد البترولية في البحر الأحمر.

مرة أخرى: هذه تحركات استثمارية قابلة للقياس والمتابعة، وليست شعارات، ولكن هل معنى ذلك أن كل شيء على ما يرام؟ قطعًا لا، ومن الخطأ الدفاع عن وزارة البترول بإنكار المشكلات الحقيقية.

إنتاج الغاز المصري تعرض لتراجع واضح، وMEES نفسها رصدت انخفاض متوسط إنتاج الغاز خلال الربع الأول من 2026 إلى نحو 3.98 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو مستوى وصفته بأنه الأدنى في عشر سنوات.

كما أن إنتاج بعض أصول bp القديمة شهد انخفاضات خلال السنوات الماضية، وهذه قضية تستحق السؤال والمحاسبة والبحث عن أسباب التراجع وخطط التعويض.

لكن وجود مشكلة في الإنتاج لا يلغي اكتشافًا جديدًا، كما أن بيع أصل لا يلغي استثمارًا جديدًا، والخبير الاقتصادي الجاد لا يختار نصف الصورة الذي تناسب موقفه ثم يلغي النصف الآخر.

المشكلة في الخلط بين «بيع الأصول» و«الخروج من مصر»، فاستراتيجية bp الجديدة عالميًا تقوم بالفعل على مراجعة المحفظة والتخلص من بعض الأصول وفقًا للقيمة والعائد، وليس استنادًا إلى التاريخ أو العاطفة، وهذا توجه أعلنته الإدارة الجديدة للشركة على المستوى العالمي، وليس قرارًا خاصًا بمصر وحدها، ولهذا فإن طرح أصول للبيع – إذا اكتملت الصفقة أصلًا – لا يعني تلقائيًا أن bp فقدت الثقة في مصر، والدليل العملي أنها، بالتوازي، موجودة في Denise W-1 وHarmattan والبحر الأحمر وNidoco N-2.

بل إن تقرير MEES الذي أثار الجدل نفسه أوضح أن أصول Arcius لم تكن مطروحة للبيع وقت نشره، إذن الاستنتاج بأن «bp تبيع مصر» يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة.


يا دكتور فؤاد، من حقك أن تنتقد وزارة البترول، ومن حقك أن تسأل عن انخفاض إنتاج الغاز، وفاتورة الاستيراد، وأسباب تراجع إنتاج بعض الحقول، وجدوى الحوافز المقدمة للشركاء الأجانب، بل ومن واجب الإعلام أن يسأل عن كل جنيه وكل دولار وكل قدم مكعب.

لكن ليس من الإنصاف أن تتحول هذه الأسئلة المشروعة إلى اتهام الوزارة بأنها «وزارة بروباجندا» لمجرد نشر أخبار إيجابية تتعلق بشركة bp، قامت الشركة نفسها  بنشر إفصاحاتها الرسمية، والتي تقول  إن مصر تضم مجموعة من خطوات “التقدم الاستراتيجي” لديها، ولم يحدث أن وزارة البترول هي التي نشرت أو افصحت.

والأدق أيضًا ألا ننسب كل ما قيل عن bp إلى وزارة البترول؛ لأن جزءًا جوهريًا من هذه المعلومات مصدره bp نفسها وتقاريرها الرسمية للمستثمرين.

وفي المقابل، يجب أن نكون دقيقين: وزارة البترول بالفعل أعلنت بنفسها بعض الاكتشافات، ومنها Nidoco N-2 وDenise W-1. وبالتالي فالدفاع الصحيح عنها ليس بالقول إنها «لم تعلن شيئًا»، وإنما بالقول إن ما أعلنته لم يكن اختراع دعائي، بل وقائع تشغيلية واستثمارية تؤكدها كذلك إفصاحات الشركات والشركاء.

وهذه هي النقطة الفاصلة، فليس كل خبر إيجابي بروباجندا، كما أن كل خبر سلبي ليس مؤامرة، الميزان الحقيقي هو الوثيقة والرقم والواقعة.

والوثائق المتاحة أمامنا تقول إن bp قد تعيد ترتيب جزء من محفظتها المصرية، نعم، وإن إنتاج بعض أصولها تراجع، نعم، لكنها في الوقت نفسه تشارك في اكتشافات جديدة، وتتخذ قرارات استثمار، وتدخل مناطق استكشاف جديدة، وتضع مصر بنفسها داخل بند التقدم الاستراتيجي.

أما أن نأخذ خبر البيع وحده ونترك الاكتشافات والاستثمارات وقرارات التنمية، ثم نرفع لافتة «وزارة بروباجندا»، مع التأكيد للمرة الالف أن وزارة البترول لم تعلن شيء، فذلك لا يخدم حق القارئ في معرفة الحقيقة.

وزارة البترول ليست فوق النقد، لكنها أيضًا ليست مطالبة بإخفاء أي خبر إيجابي حتى تثبت أنها ليست وزارة بروباجندا، والفارق كبير.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط