الأربعاء 15 يوليو 2026 الموافق 01 صفر 1448

عثمان علام يكتب: رشا رمضان من 11 ل 14 سبتمبر..الأيام تكتب الفصل التالي

788
عثمان علام
عثمان علام

لم يكن الهدف من المقال الذي نشرناه قبل أيام بعنوان: «حتى 14 سبتمبر.. هل يمكن إلغاء بعض قرارات حركة التنقلات؟» إثارة الجدل أو إطلاق توقعات، وإنما طرح سؤال مشروع: هل تظل القرارات التي تحدد موعدًا مستقبليًا للتنفيذ بمنأى عن المراجعة حتى يحين موعدها؟

وقتها، رأى البعض أن الحديث غير منطقي، وأن القرارات بمجرد إعلانها أصبحت محسومة، وأن ما تبقى حتى 14 سبتمبر مجرد فترة انتظار لتنفيذها، لكن الأيام جاءت أسرع من كل التوقعات.

فالأنباء المتداولة عن اعتذار المحاسبة رشا عبد الفتاح رمضان عن تولي رئاسة شركة موبكو، وتمسكها بالاستمرار في موقعها نائبًا لرئيس الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات (إيكم) للشئون المالية، أعادت طرح السؤال نفسه، وأكدت أن ما كتبناه لم يكن بعيدًا عن الواقع، وأن «المستقبل» كان سباقًا في إثارة هذه القضية قبل أن تفرض الأحداث نفسها على المشهد.

ولم يكن المقصود آنذاك الحديث عن رشا رمضان وحدها، وإنما عن مبدأ عام، وهو أن الفترة الممتدة بين صدور القرار وموعد تنفيذه تظل فترة قد تشهد متغيرات تجعل إعادة النظر في بعض القرارات أمرًا واردًا إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.

ولعل المفارقة أن التاريخ المحدد للتنفيذ هو 14 سبتمبر، وهو تاريخ يسبق بأيام قليلة ذكرى 11 سبتمبر، ذلك اليوم الذي غيّر وجه العالم، وأثبت أن أيامًا قليلة قد تكون كافية لتبديل حسابات كاملة، وإعادة رسم خرائط وسياسات وقرارات لم يكن أحد يتخيل أنها ستتغير.

وبالطبع، فالمقارنة هنا ليست بين طبيعة الحدثين، ولا بين حجمهما أو تأثيرهما، وإنما في فكرة واحدة فقط: أن ما يبدو ثابتًا اليوم قد تفرض عليه الوقائع مراجعة غدًا.

الإدارة بطبيعتها تتعامل مع المتغيرات، والقرارات ليست معزولة عن الواقع، خاصة إذا كان تنفيذها مؤجلًا إلى موعد لاحق، فقد تظهر ظروف جديدة، أو تتغير احتياجات العمل، أو يعاد ترتيب الأولويات، أو يعتذر أحد المكلفين، فتصبح المراجعة جزءًا طبيعيًا من حسن الإدارة، لا دليلًا على الخطأ.

ولا يعني ذلك أن جميع قرارات 14 سبتمبر ستتغير، أو أن هناك معلومات عن تعديلات جديدة، فالأصل أن تنفذ كما صدرت، ما لم يصدر قرار آخر من السلطة المختصة.

لكن ما حدث في ملف رشا رمضان يؤكد أن السؤال الذي طرحناه كان في محله، وأن الفترة السابقة على التنفيذ ليست مجرد وقت انتظار، بل قد تكون مرحلة يعاد خلالها تقييم بعض الملفات.

وربما كان ما حدث مع المحاسبة رشا رمضان يحتاج إلى قراءة تتجاوز مجرد الاعتذار عن منصب جديد، فالرجل أو السيدة لا يُقاسان فقط بالموقع الذي يتوليانه، وإنما أيضًا بالأثر الذي يصنعانه في الموقع الذي يعملان فيه.

رشا رمضان واحدة من أبرز القيادات النسائية في قطاع البترول، وقد استطاعت خلال فترة قصيرة نسبيًا داخل الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات «إيكم» أن تضع بصمتها في عدد من الملفات المالية والتمويلية المهمة، خصوصًا المشروعات التي كانت تحتاج إلى إعادة دراسة، وترتيب مصادر التمويل، وفتح قنوات جديدة مع المؤسسات المصرفية.

ورغم أن تجربة العمل في صناعة البتروكيماويات كانت جديدة عليها عند توليها منصب نائب رئيس «إيكم» للشئون المالية والاقتصادية، فإن خبرتها الطويلة في الإدارة المالية، التي بدأت منذ التحاقها بشركة الحفر المصرية عام 1996، ثم عملها في عدد من الفروع الخارجية، وتدرجها في المناصب حتى وصلت إلى عضوية مجالس إدارات ومواقع مالية وتنفيذية رفيعة، جعلتها تدخل الملف الجديد بخبرة واسعة وقدرة على التعامل مع التفاصيل الصعبة.

كما أسهمت تجربتها السابقة في شركة ميدور، التي شغلت فيها منصب مساعد رئيس الشركة، ثم نائب رئيس الشركة للشئون المالية، في تكوين شخصيتها الإدارية، خاصة في إدارة الملفات التمويلية الكبيرة والتعامل مع المؤسسات المصرفية ومشروعات التوسعات.

وترشحها لتولي رئاسة «موبكو» لم يكن مجرد اختيار لقيادة نسائية، وإنما جاء تقديرًا لمسيرة مهنية طويلة وكفاءة مالية مشهود لها، لكن الاعتذار، حال، لا ينتقص من قيمتها، بل قد يعكس تمسكها باستكمال ملفات بدأت فيها وقطعت شوطًا كبيرًا نحو إنجازها، في منصب هو أرفع واكبر من رئاسة شركة، فهي تتولى نيابة المالية وتتربع على عرش خزائن البتروكيماويات في مصر .

وتحظى رشا رمضان بتقدير واسع داخل قطاع البترول، ليس فقط بسبب كفاءتها المهنية، وإنما أيضًا بسبب شخصيتها الإنسانية وقربها من العاملين، حتى أطلق عليها البعض بأنها «ست بمائة رجل» في إشارة إلى قوتها، وجدعنتها، وقدرتها على تحمل المسؤولية ومد يدها للجميع.

وربما تكون قصة رشا رمضان في ملف 14 سبتمبر دليلًا إضافيًا على أن قيمة القيادة لا ترتبط دائمًا بحجم الكرسي، وإنما بحجم ما تحققه من أثر، وبقدرتها على اتخاذ القرار الذي تراه الأنسب للعمل ولمسيرتها المهنية.

لذلك، سيظل 14 سبتمبر تاريخًا يستحق المتابعة، ليس لأنه موعد للتسليم والتسلم فقط، بل لأنه أصبح شاهدًا على أن القرار الإداري، متى كان مؤجل التنفيذ، يظل قابلًا لأن تفرض عليه الأيام واقعًا جديدًا، وقد قلناها منذ البداية، ويبدو أن الأيام بدأت تؤكدها.

#المستقبل_البترولي #سقراط




تم نسخ الرابط