الأربعاء 12 أغسطس 2026 الموافق 29 صفر 1448

رجال البترول والتموين...قصة محاصرة التلاعب بالمنتجات وبناء الثقة مع أصحاب المحطات

172
المستقبل اليوم

بعيداً عن الأضواء، وفي واحدة من أكثر حلقات منظومة تداول المنتجات البترولية حساسية، تتحرك لجنة مراقبة المواد البترولية بالهيئة المصرية العامة للبترول في مسار لا يقل أهمية عن عمليات الإنتاج والاستيراد والنقل والتوزيع، فالمعادلة لا تكتمل بمجرد توفير البنزين والسولار والمنتجات البترولية وضخها إلى السوق، وإنما تكتمل بوصول المنتج إلى مستحقيه، بالكميات المقررة، ومنع أي ممارسات من شأنها الإضرار بالسوق أو إهدار أموال الدولة.

وخلال الفترة الماضية، أثبتت التجربة أن الرقابة الفعالة لا تعني فقط ضبط المخالفات بعد وقوعها، وإنما تبدأ قبل ذلك ببناء منظومة قادرة على الوقاية منها، وهو النهج الذي تعمل من خلاله اللجنة بالتنسيق والتعاون مع وزارة التموين والتجارة الداخلية، في نموذج يعكس أهمية تكامل مؤسسات الدولة عندما يتعلق الأمر بسلعة استراتيجية تمس حياة ملايين المواطنين يومياً.


الدور الذي تقوم به لجنة مراقبة المواد البترولية يتجاوز المفهوم التقليدي للحملات الرقابية، فعملها يرتبط بمتابعة حركة المنتجات البترولية والتأكد من انتظام عمليات التداول والتوزيع، ورصد أي تجاوزات قد تحدث في بعض المحطات، والتعامل معها بما يحفظ حقوق الدولة والمواطن في الوقت نفسه.

وقد أسهمت الحملات المشتركة والمتابعة المستمرة في الحد من العديد من الممارسات والتجاوزات التي يمكن أن تؤثر على انتظام السوق، فضلاً عن دورها في حماية أموال الدولة ومنع تسرب المنتجات المدعومة أو المخصصة للسوق المحلية إلى مسارات غير مشروعة.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الحملات لا تقاس فقط بعدد المخالفات التي يتم ضبطها، وإنما بما أحدثته من حالة انضباط داخل السوق، وبالرسالة التي وصلت إلى الجميع بأن هناك متابعة مستمرة، وأن الدولة التي تتحمل مسؤولية توفير المنتج تتحمل كذلك مسؤولية التأكد من وصوله إلى المواطن بالكفاءة المطلوبة.


ولعل أحد أهم ملامح التجربة هو التحول من فلسفة «البحث عن المخالف» إلى فلسفة «منع المخالفة قبل وقوعها»، فالهيئة لا تتعامل مع أصحاب محطات الوقود باعتبارهم خصوماً أو أعداء للمنظومة، وإنما باعتبارهم شركاء أساسيين فيها، لأن المنتج مهما توافرت كمياته لن يصل إلى المواطن دون شبكة توزيع ومحطات تعمل بكفاءة وانتظام.

ومن هنا، أصبح بناء جسور الثقة مع أصحاب المحطات جزءاً مهماً من نجاح المنظومة، من خلال توضيح القواعد المنظمة للعمل، والاستماع إلى المشكلات، والعمل على حلها، وفي الوقت نفسه التأكيد على ضرورة الالتزام الكامل بالقانون وضوابط تداول المنتجات البترولية.

إنها معادلة دقيقة تجمع بين الرقابة والشراكة، وبين الحزم في مواجهة التجاوز وبين دعم الملتزمين، بما يجعل صاحب المحطة شريكاً في استقرار السوق وليس مجرد طرف يخضع للتفتيش.

هذا المفهوم يختصر الكثير من الجهد، لأن الوقاية من المخالفة أقل تكلفة على الدولة والمجتمع من مطاردتها بعد وقوعها، كما أن بناء الثقة بين أطراف المنظومة يخلق رقابة ذاتية ويعزز الالتزام.


ويكتسب عمل اللجنة قوته من التعاون والتنسيق المستمر بين قطاع البترول ووزارة التموين والتجارة الداخلية، فكل جهة تمتلك أدواتها واختصاصاتها، وعندما تلتقي هذه الأدوات في الميدان تصبح الرقابة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها.

هيئة البترول مسؤول عن توفير المنتج وضخه ونقله عبر منظومة ضخمة ومتشعبة، واللجنة تلعب مع الأجهزة الرقابية بوزارة التموين دوراً أساسياً في متابعة عمليات التداول بالأسواق، ومن هنا يصبح التنسيق بين الجانبين ضرورة وليس رفاهية.

وقد انعكس هذا التعاون على انتظام السوق والقدرة على التدخل عند ظهور أي ممارسات غير طبيعية، فضلاً عن سرعة تبادل المعلومات واتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه المخالفات.


وربما يكون الاختبار الحقيقي لأي منظومة هو قدرتها على العمل تحت الضغط، فعلى الرغم من ارتفاع معدلات استهلاك المنتجات البترولية، فإن هيئة البترول برجالها استطاعت الحفاظ على انتظام الإمدادات وتوفير احتياجات السوق، وهو ما انعكس في عدم ظهور تكدسات أمام محطات الوقود أو أزمات واسعة في الحصول على المنتجات، ولدينا نماذج كثيرة منها حركة المواطنين في الساحل الشمالي وغيره .

هذه النتيجة لا تتحقق بمجرد وصول شحنة أو تشغيل مستودع أو زيادة كميات الضخ، وإنما تقف خلفها سلسلة طويلة تبدأ من التخطيط لتوفير الاحتياجات، مروراً بالنقل والتخزين والتوزيع، وتنتهي بالرقابة على وصول المنتج إلى نقطة البيع النهائية.

وفي هذه الحلقة الأخيرة تحديداً يظهر الدور المهم للجنة مراقبة المواد البترولية، باعتبارها إحدى أدوات التأكد من أن الجهد المبذول لتوفير المنتجات لم يذهب هباءً بسبب مخالفة هنا أو محاولة تلاعب هناك.


ولا يمكن فصل الرقابة على تداول المواد البترولية عن ملف حماية المال العام، فكل لتر من المنتج يتم توجيهه بعيداً عن المسار المخصص له يمثل خسارة تتحملها الدولة، ومن ثم فإن منع التجاوزات ليس مجرد إجراء إداري، وإنما حماية مباشرة لموارد الدولة.

وفي المقابل، فإن المواطن عندما يجد المنتج متوافراً، والمحطات تعمل بصورة طبيعية، ولا يشاهد طوابير أو تكدسات، تتعزز ثقته في قدرة الدولة على إدارة أحد أهم الملفات التي تمس حياته اليومية.

وهنا يتشكل جسر الثقة بين المواطن والدولة ممثلة في وزارة البترول والثروة المعدنية وهيئة البترول، الدولة توفر المنتج رغم الضغوط وارتفاع الاستهلاك، وتدير منظومة الإمداد والتوزيع، ثم تراقب السوق لضمان وصول المنتج بأعلى درجة ممكنة من الكفاءة والانضباط.


وتتحرك هذه المنظومة في إطار عمل يقوده المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، ومعه المهندس صلاح عبدالكريم، الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للبترول، والمهندس أيمن عبدالكريم، نائب رئيس الهيئة للنقل والتوزيع فيما يتولى المهندس تامر عويس رئاسة لجنة مراقبة المواد البترولية، بالتنسيق والتعاون مع وزارة التموين والتجارة الداخلية، ومن جانبها الدكتور أحمد أبوالغيط، مساعد وزير التموين.

لكن خلف هذه الأسماء توجد فرق عمل وأعضاء لجنة ورجال رقابة يتحركون على الأرض، بعضهم يعمل لساعات طويلة وفي أوقات وظروف مختلفة، لمتابعة سوق لا يعرف التوقف، لأن استهلاك الوقود لا يتوقف بانتهاء ساعات العمل الرسمية.

ومن الإنصاف أن يتم توثيق هذا الجهد، لأن نجاح المنظومات الكبرى لا يصنعه شخص واحد، وإنما تصنعه حلقات مترابطة، كل منها يؤدي دوره حتى تصل النتيجة النهائية إلى المواطن.

ولعل الدرس الأهم في تجربة لجنة مراقبة المواد البترولية هو أن الرقابة الناجحة لا تعني إعلان الحرب على أصحاب المحطات، كما أن الشراكة معهم لا تعني التهاون مع المخالف، فالدولة تحتاج إلى أصحاب المحطات باعتبارهم جزءاً أساسياً من منظومة توزيع الوقود، وأصحاب المحطات يحتاجون إلى الدولة التي توفر المنتجات وتنظم السوق وتحمي المنافسة المشروعة، وبين الطرفين توجد قاعدة بسيطة: من يلتزم فهو شريك، ومن يخالف فالقانون هو الفيصل.

بهذه الفلسفة يمكن بناء سوق أكثر انضباطاً، وتقليل التجاوزات قبل حدوثها، وحماية المال العام، وفي الوقت نفسه الحفاظ على شبكة توزيع قوية قادرة على التعامل مع الزيادة المستمرة في الاستهلاك.

وفي النهاية، فإن عدم وجود تكدسات أمام المحطات، واستمرار توافر المنتجات رغم ارتفاع الاستهلاكات، ليس مشهداً عادياً ينبغي المرور عليه دون توقف، وإنما نتيجة لمنظومة كبيرة تعمل من أول توفير المنتج وحتى وصوله إلى خزان سيارة المواطن.

وفي قلب هذه المنظومة تقف الرقابة كعين مفتوحة، لكن نجاحها الحقيقي يكمن في ألا تكون عيناً تبحث عن الخطأ فقط، وإنما يداً تساعد على منع الخطأ قبل وقوعه، وتبني شراكة تحافظ على السوق والمواطن وأموال الدولة.

المستقبل البترولي




تم نسخ الرابط