وائل عطية يكتب: أدنوك... إنجاز يصنع التاريخ
في كل الصناعات دائمًا ما تكون هناك نقطة تحوّل وبداية للعد التنازلي. فما تراه أحيانًا قمةً للنجاح والإنجاز يتحول مع مرور الوقت إلى تاريخ ونتساءل كثيرًا عندما نتحدث عنه: كيف استطاع معاصرو تلك التكنولوجيا التعامل مع تقنيات تبدو لنا اليوم بدائية؟
تخيّل أنه قبل اختراع الطائرات المدنية الفاخرة التي تنقلك في ساعات معدودة بين بلدان متباعدة وقارات مختلفة بينما تجلس في مقعدك الوثير مستمتعًا بمتابعة لحظية للأحداث عبر شبكة الواي فاي وأنت على ارتفاع آلاف الأقدام من سطح الأرض، كانت التكنولوجيا المتاحة للسفر تتمثل في منطاد جوي بدائي يسافر فيه الناس وقوفًا عبر المحيط الأطلسي من أوروبا إلى أمريكا.
وينطبق ذلك على كل ما نستخدمه في الصناعات الثقيلة والمتقدمة وكذلك على التفاصيل البسيطة والدقيقة في حياتنا اليومية بما يشمل الاتصالات ووسائل النقل والغذاء والدواء وغيرها الكثير.
الأسبوع الماضي أعلنت شركة أدنوك نجاحها في حفر 6428 قدمًا خلال 24 ساعة باستخدام منظومة من التطبيقات المتكاملة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والبيانات الفورية والتحليلات المتقدمة. ولا يمكن النظر إلى هذا الإعلان باعتباره مجرد إنجاز جديد في حفر آبار البترول، بل هو ثورة في صناعة البترول والغاز ستنقل الصناعة إلى مراحل أخرى سيعاني كثيرون في سبيل اللحاق بها.
قديمًا كان مهندس الحفر يقضي ساعات في إجراء الحسابات اليدوية وكتابة التقارير بالآلة الكاتبة واستخدام الراديو لإبلاغ المكتب الرئيسي بالتطورات اليومية لعمليات الحفر. ثم تطور الأمر باستخدام أجهزة الكمبيوتر ووسائل الاتصال الحديثة لكن المهندس وفريق العمليات ظلوا يجلسون ساعات طويلة لمراقبة الشاشات وعقد الاجتماعات قبل اتخاذ القرار.
أما اليوم فإن آلاف الحساسات المتصلة بجهاز الحفر والمعدات المستخدمة داخل البئر ترسل ملايين البيانات إلى مراكز رقمية متقدمة تتولى تحليلها باستخدام الذكاء الاصطناعي في أجزاء من الثانية وتقارنها ببيانات آلاف الآبار السابقة وتقترح أفضل قرار للعمليات قبل أن ينتهي المهندس من متابعة تغير المؤشرات.
السؤال الذي يطرح نفسه في كل مرة هو: ما الذي سيتبقى للمهندس والجيولوجي والمحاسب من عمل في صناعة البترول إذا كانت هذه هي الإنجازات مع اتفاق الجميع على أننا لا نزال في بداية ثورة الذكاء الاصطناعي على الرغم من أنه أصبح بالفعل جزءًا رئيسيًا وفاعلًا من تفاصيل العمليات في جميع أقسام الصناعة؟
وللإجابة عن هذا السؤال يجب أن نؤكد حقيقة لا تقبل التأويل: شركات كبرى مثل أدنوك وأرامكو وبي بي وشل وشيفرون وإكسون موبيل وغيرها من عمالقة صناعة البترول والغاز، تقود سباقًا عالميًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة حقول البترول والغاز وتشغيلها بدءًا من الاستكشاف ومرورًا بمراحل الإنتاج ووصولًا إلى إدارة البنية التحتية بما تشمله من تسهيلات وخطوط إنتاج والتخزين.
ومن خلال هذا السباق نشهد تطورًا مذهلًا في تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتمثل في تحليل بيانات العمليات بمختلف أنواعها وتفسير البيانات السيزمية وإعداد النماذج الجيولوجية وتطوير أداء عمليات حفر الآبار وتحسينه وإدارة الخزانات وعمليات الإنتاج وإدارة البنية التحتية الصناعية بجميع عناصرها بدءًا من الآبار ووصولًا إلى مصانع التكرير. ويحدث ذلك على نحو يمكّن المهندسين من استباق الأعطال واتخاذ قرارات سريعة ودقيقة.
وهنا نأتي إلى السؤال عن دور العنصر البشري في هذه الثورة التي لا يعرف أحد حتى من الخبراء إلى أين ستأخذنا وما السقف الذي قد يوقفها يومًا.
قبل أعوام قليلة كانت الخبرة المتراكمة على مدى سنوات العمل مفتاح النجاح وتولي المناصب القيادية في إدارة العمليات. وكانت العمليات في كثير من الأحيان تتوقف انتظارًا لوصول خبير يسافر على وجه السرعة من كندا إلى الفلبين أو السعودية أو حتى وسط أفريقيا لحل مشكلة فنية تسببت في توقف العمليات وتراجع الأداء وانخفاض الإنتاج.
وقد كنا ننتظر أيامًا أو أسابيع حتى يجمع الخبير البيانات ويحللها ويدرسها ويقارن بينها أو حتى يُستدعى خبراء من شتى بقاع الأرض للاجتماع تحت سقف واحد من أجل اتخاذ قرار واحد.
لكن الذكاء الاصطناعي اختصر كثيرًا من هذه الإجراءات وسيواصل اختصارها كما سيقلل الحاجة إلى إهدار الوقت في تحليل البيانات والنقاشات والاجتماعات.
سيختفي المهندس الذي يعتمد على الطرق التقليدية في إدارة العمليات وحل المشكلات وسيظهر جيل جديد من المهندسين القادرين على إدارة أدوات هذه الثورة يعرفون كيف يطرحون عليها الأسئلة وكيف ينتقون الحلول التي توفر الوقت وتخفض التكلفة وتزيد الإنتاجية.
ولا يتحمل الذكاء الاصطناعي مسؤولية اتخاذ القرار؛ فالقرار سيظل بيد المهندس والجيولوجي وتحت مسؤوليتهما.
وسيستفيد مهندسو البترول بمختلف تخصصاتهم والجيولوجيون على اختلاف أقسامهم من هذه التقنيات لكن استفادتهم ستظل مرهونة بقدرتهم على فهم هذه التكنولوجيا ومواكبتها.
ستواصل الأنظمة تحسين نفسها وسيوفر الذكاء الاصطناعي علينا ساعات طويلة وجهودًا مضنية كما سيساعدنا على فهم المشكلات وتوقعها وحلها. لكنه سيبقى مثل سيارة فارهة أو طائرة فائقة التطور تحتاج إلى من يديرها ويوجهها ويظل يقظًا ومرنًا لمواجهة أي مشكلة.
استطاعت أدنوك أن تحفر 6428 قدمًا في يوم واحد لكن المهندس والجيولوجي ظلا هناك يتابعان، ويتخذان القرارات ويتحملان المسؤولية. والشاهد أن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل مهندس البترول لكنه سيستبدل المهندس الذي لا يتعلم.
والمطلوب من الجميع هو تطوير مهاراتهم الرقمية وفهم أدوات الذكاء الاصطناعي حتى لا يكونوا مجرد شهود على هذا التحول، بل يصبحوا من صنّاعه.