عمالقة الفوسفات في مصر..من يملك الإنتاج ومن يستحوذ على التصدير؟
تمتلك مصر واحدة من أهم قواعد إنتاج الفوسفات في المنطقة، ليس فقط بما لديها من احتياطيات ضخمة، وإنما بوجود مجموعة من الشركات التي تتقاسم خريطة الإنتاج والاستخراج والتسويق والتصدير، في وقت تتجه فيه الدولة إلى الانتقال من تصدير الخام إلى بناء صناعة متكاملة تحقق قيمة مضافة أكبر.
وتشير البيانات إلى أن إجمالي الإنتاج السنوي من الفوسفات في مصر يقترب من 12 مليون طن، في حين لا يتجاوز الاستهلاك المحلي ما بين 3.5 و4 ملايين طن سنويًا، ما يخلق فائض يتراوح بين 7 و8 ملايين طن يحتاج إلى أسواق خارجية لاستيعابه.
وفي عام 2025، بلغت الصادرات نحو 7.4 مليون طن، بعوائد تراوحت بين 600 و700 مليون دولار، وهو ما يجعل التصدير عنصرًا أساسيًا في اقتصاديات صناعة الفوسفات المصرية، سواء لتصريف فائض الإنتاج أو توفير تدفقات من النقد الأجنبي.
ويعمل في السوق المصري نحو 9 شركات رئيسية بإجمالي إنتاج يقترب من 12 مليون طن، لتتشكل خريطة للقوى المؤثرة في الصناعة بين شركات تملك المناجم وتستخرج الخام، وأخرى تتولى التسويق والتصدير، بالتوازي مع ظهور مشروعات جديدة تستهدف تحويل الفوسفات إلى حمض الفوسفوريك والأسمدة والمنتجات الأعلى قيمة.
1- فوسفات مصر.. اللاعب الأكبر في الإنتاج:-
في مقدمة خريطة المنتجين تأتي شركة فوسفات مصر، التي أعلن رئيسها المهندس ناصر شاهين، في أغسطس 2026، أنها أصبحت أكبر منتج لخام الفوسفات في مصر، بطاقة إنتاجية تصل إلى 7 ملايين طن سنويًا، موزعة على مواقع الشركة في أبو طرطور والسباعية والبحر الأحمر.
وتستمد فوسفات مصر قوتها من انتشار عملياتها في عدد من أهم مناطق الخام، وعلى رأسها هضبة أبو طرطور بالوادي الجديد والسباعية والبحر الأحمر.
كما بدأت الشركة التحرك من مجرد استخراج الخام إلى التصنيع، فهي مساهم بنسبة 25% في مشروع مجمع أبو طرطور لإنتاج حمض الفوسفوريك، إلى جانب العمل على مشروع مجمع للأسمدة الفوسفاتية بالعين السخنة بالتعاون مع «إندوراما» العالمية بطاقة مستهدفة تبلغ 600 ألف طن سنويًا.
2- واديكو..رحلة صعود سريعة:-
أما شركة الوادي الجديد للثروة المعدنية والطفلة الزيتية «واديكو»، فقد أصبحت واحدة من أبرز القوى الصاعدة في استخراج الفوسفات، كما قال رئيسها الدكتور رضا سليم .
وخلال عام 2025 بلغ إجمالي ما قامت الشركة باستخراجه نحو 3.5 مليون طن من خام الفوسفات، بمعدل استخراج وصل إلى نحو 10 آلاف طن يوميًا، وحققت الشركة إيرادات بلغت نحو 2.8 مليار جنيه، فيما تجاوز صافي الأرباح مليار جنيه خلال 2025، مقابل نحو 340 مليون جنيه في 2023.
وتكشف المقارنة حجم القفزة التي شهدتها الشركة، خاصة أن كمية الخام المستخرج خلال 2024 كانت نحو 1.3 مليون طن فقط، كما نجحت في إضافة احتياطيات جديدة تقدر بنحو 6.6 مليون طن خلال العام نفسه.
وتشارك واديكو كذلك في مشروع للأسمدة الفوسفاتية مع مجموعة السويدي كابيتال وهيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
3- المصرية للثروات التعدينية:-
وتأتي الشركة المصرية للثروات التعدينية ضمن الكيانات المؤثرة، إذ يمثل الفوسفات نحو 76% من إجمالي إنتاجها، حيث بلغ إجمالي إنتاج الشركة من مختلف الخامات خلال العام المالي 2024/2025 نحو 581 ألف طن، بينما قامت بتسويق نحو 621 ألف طن من الخامات المختلفة بقيمة بلغت 1.3 مليار جنيه.
وتعمل الشركة في مناطق مهمة لإنتاج الفوسفات، بينها السباعية شرق ومناجم أباظة ووادي الشغب، كما أكدت وجود احتياطيات جديدة بتركيزات تتراوح بين 24% و28% من خامس أكسيد الفوسفور.
4- النصر للتعدين..اسم له تاريخ:-
ولا تكتمل خريطة الفوسفات من دون شركة النصر للتعدين، صاحبة التاريخ الطويل في الصناعة المصرية.
وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لعام 2019 إلى أن الشركة كانت في ذلك الوقت أكبر منتج للفوسفات في مصر، بإنتاج بلغ نحو 3.5 مليون طن سنويًا من مناجم شرق وغرب السباعية ومناجم البحر الأحمر بالقصير، وبطاقة إنتاجية وصلت إلى نحو 5 ملايين طن سنويًا.
وفي الفترة نفسها كان إنتاج فوسفات مصر يدور حول 2.5 مليون طن، قبل أن تتغير موازين الإنتاج خلال السنوات التالية، وتعلن وزارة البترول في أغسطس 2026 أن فوسفات مصر أصبحت أكبر منتج لخام الفوسفات في البلاد.
5- المصرية لتسويق الفوسفات.. مفتاح التصدير؟
وإذا كانت الشركات السابقة تمثل قوة المناجم والإنتاج، فإن الحديث عن مفاتيح التصدير يضع الشركة المصرية لتسويق الفوسفات والأسمدة الفوسفاتية في قلب المشهد.
وحسب تصريحات رئيس مجلس الإدارة الدكتور أسامه فاروق والرمدير التنفيذي هاني زهيري، فإن الشركة تمثل كيانًا مهمًا في منظومة تسويق الفوسفات المصري خارجيًا، ودورها يختلف بطبيعته عن شركات استخراج الخام، إذ لا تقاس قوتها بعدد المناجم التي تديرها، وإنما بقدرتها على تجميع وتسويق الكميات المخصصة للتصدير والوصول إلى الأسواق والعملاء والتفاوض على العقود والأسعار.
ومن هنا يصبح الفصل بين «المنتج» و«المصدر» ضروريًا لفهم السوق، فامتلاك المنجم لا يعني بالضرورة امتلاك مفاتيح الأسواق الخارجية.
وتكتسب هذه الحلقة أهمية أكبر في ظل وجود فائض سنوي كبير، فالسوق المحلية لا تستوعب أكثر من 3.5 إلى 4 ملايين طن من إجمالي إنتاج يقترب من 12 مليون طن، وبالتالي يصبح التصدير ضرورة للحفاظ على حركة المناجم وتصريف الإنتاج.
وفي عام 2025 بلغت صادرات مصر من الفوسفات نحو 7.4 مليون طن، بقيمة تراوحت بين 600 و700 مليون دولار، وهذه الأرقام تكشف لماذا يمثل التسويق الخارجي جزءًا لا يقل أهمية عن استخراج الخام نفسه، خاصة مع اعتماد الصناعة على تصريف ملايين الأطنان سنويًا خارج السوق المحلية.
وهنا تظهر المرحلة الجديدة في صناعة الفوسفات المصرية، مع اتجاه الدولة إلى نموذج يقوم على الاستخراج ثم التركيز والتصنيع والتصدير بدلًا من الاكتفاء ببيع الخام.
ومن أبرز المشروعات الجديدة مجمع إنتاج حمض الفوسفوريك في أبو طرطور باستثمارات تبلغ نحو 658 مليون دولار، والذي وُضع حجر أساسه في أغسطس 2026، إلى جانب مشروعات السويدي للصناعات الفوسفاتية والأسمدة، وبولي سيرف، والتعاون مع إندوراما.
وهكذا تتوزع خريطة القوة في صناعة الفوسفات المصرية بين فوسفات مصر باعتبارها اللاعب الأكبر في الطاقة الإنتاجية، وواديكو كقوة صاعدة في الاستخراج، والنصر للتعدين بما تمتلكه من تاريخ وأصول تعدينية، والمصرية للثروات التعدينية كلاعب مهم في الإنتاج، بينما تقف المصرية لتسويق الفوسفات والأسمدة الفوسفاتية في موقع محوري داخل منظومة التسويق والتصدير.
لكن السباق الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط على من ينتج أكبر عدد من الأطنان، أو من يصدر أكثر، السباق سيكون على من يستطيع أن يضيف أكبر قيمة إلى طن الفوسفات المصري قبل أن يغادر البلاد.
فامتلاك المناجم قوة، وامتلاك أسواق التصدير قوة أخرى، لكن القوة الأكبر تظل في امتلاك الصناعة التي تحول الخام المصري إلى منتج نهائي يباع للعالم بأضعاف قيمة الصخر المستخرج من المنجم.
#المستقبل_البترولي