الأربعاء 08 يوليو 2026 الموافق 23 محرم 1448

وائل عطية يكتب: هل سيكون القرار القادم في قطاع البترول للذكاء الاصطناعي؟

229
المستقبل اليوم

هناك ثورات لا تبدأ بانفجار ولا بإعلان اكتشاف حقل عملاق، بل تبدأ باجتماعات تبدو اعتيادية في ظاهرها بينما تحمل في طياتها تحولًا استراتيجيًا قد يعيد رسم مستقبل صناعة بأكملها.
هذا ما يحدث اليوم في قطاع البترول والثروة المعدنية المصري.
ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمتابعة أسعار البترول وتقلبات الأسواق والتوترات الجيوسياسية تتشكل في الكواليس معركة مختلفة تمامًا... معركة عنوانها البيانات والذكاء الاصطناعي.
لم تعد المنافسة بين شركات البترول العالمية تُحسم فقط بمن يمتلك أكبر الاحتياطيات أو أحدث أجهزة الحفر، بل أصبحت تُحسم بمن يمتلك القدرة على تحويل البيانات والأرقام إلى قرارات أسرع وأكثر دقة وأقل تكلفة.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يعقد المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية اجتماعات متتالية مع شركتي شلمبرجير الرائدة عالميًا في تقنيات الطاقة و AIQ  الإماراتية المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي لصناعة البترول والغاز، بل وفى اليوم التالي تعلن وزارة البترول والثروة المعدنية عن فتح باب تعيين مدير تنفيذي للذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي. فالرسالة كانت واضحة: مصر لا تبحث عن إدخال تقنية جديدة، بل تعمل على إعادة صياغة طريقة إدارة قطاع البترول بالكامل اعتمادًا على البيانات والتحليلات الذكية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبح الذكاء الاصطناعي هو من سيتخذ القرار داخل قطاع البترول؟
الإجابة ببساطة: لا... ولكن القرار القادم لن يُتخذ بالطريقة التقليدية.
فالقرار سيظل في يد الإنسان لكن الإنسان الذي يمتلك أفضل البيانات وأدق التحليلات وأسرع نماذج التنبؤ سيكون صاحب القرار الأفضل.
على مدار أكثر من قرن من أعمال البحث والاستكشاف والإنتاج صنعت مصر ثروة هائلة من البيانات الجيولوجية والسيزمية وتسجيلات الآبار ونتائج الاختبارات وبيانات الإنتاج.
ورغم القيمة العلمية والاقتصادية لهذه البيانات فإن جزءًا كبيرًا منها ظل موزعًا بين شركات ومراكز مختلفة أو محفوظًا في قواعد بيانات يصعب الربط بينها والاستفادة منها بصورة متكاملة.
اليوم تنظر وزارة البترول إلى هذه البيانات باعتبارها أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الاحتياطيات نفسها.
ومن هنا يأتي تطوير بوابة مصر للاستكشاف والإنتاج (EUG) لتصبح أكثر من مجرد منصة لعرض البيانات؛ بل منصة ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل المعلومات وربطها واستخلاص أفضل الفرص الاستثمارية وتقليل زمن تقييم المناطق وخفض مخاطر الاستثمار.
إذا نجحت هذه الخطوة فإنها قد تغير تجربة المستثمر بالكامل وتمنح مصر ميزة تنافسية حقيقية في جذب استثمارات الاستكشاف.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف البترول؟
الإجابة العلمية هي: لا. فلا توجد خوارزمية تستطيع أن تؤكد وجود البترول أو الغاز دون بيانات حقيقية.
لكن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينجز ما كان يستغرق أشهرًا من التحليل في وقت قياسي وأن يربط بين البيانات السيزمية وخصائص الصخور وسلوك الخزانات ونتائج الآبار السابقة ليقدم للجيولوجيين والجيوفيزيائيين نماذج أكثر دقة لاحتمالات النجاح.
وبذلك يصبح القرار الاستثماري أكثر استنارة وتقل احتمالات حفر الآبار غير الاقتصادية وهو ما ينعكس مباشرة على خفض الإنفاق وتعظيم العائد.
قد يكون أكبر مكسب لمصر من الذكاء الاصطناعي ليس في اكتشاف حقول جديدة وإنما في إعادة اكتشاف الحقول القديمة.
فالعديد من الحقول المصرية خاصة في خليج السويس والصحراء الغربية ما زالت تحتوي على كميات يمكن إنتاجها إذا أُعيد فهم سلوك خزاناتها باستخدام أدوات تحليل أكثر تطورًا.
ومن خلال تحليل بيانات الضغط والإنتاج ونسب المياه وخصائص الخزانات يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدة مهندسي الخزانات في تحديد أفضل أماكن الحفر التنموي أو تعديل برامج الحقن أو تحسين خطط إدارة الخزانات والإنتاج.
وهذا يتوافق مع توجه الوزارة نحو إعطاء الأولوية للمشروعات ذات العائد السريع والتي تزيد الإنتاج من الأصول القائمة قبل البحث عن استثمارات أعلى مخاطرة.

لسنوات طويلة كانت شركات البترول تتعامل مع الأعطال بعد وقوعها. أما اليوم فقد أصبح الهدف هو منع العطل قبل أن يحدث.
فالذكاء الاصطناعي قادر على متابعة أداء المضخات والضواغط والمعدات لحظة بلحظة وتحليل مؤشرات مثل الاهتزاز ودرجات الحرارة والضغط واستهلاك الطاقة لاكتشاف أي تغيرات غير طبيعية.
وما عرضته شركة AIQ من قدرتها على التنبؤ بأعطال مضخات الرفع الغاطسة الكهربائية قبل نحو 45 يومًا يعكس الإمكانات الكبيرة لهذا النوع من التطبيقات التي تقلل زمن التوقف غير المخطط وتحافظ على استقرار الإنتاج وتخفض تكاليف الصيانة.

الحفر من أكثر مراحل الصناعة تكلفة وتعقيدًا. واليوم أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحليل بيانات الحفر في الزمن الحقيقي والتنبؤ بمشكلات مثل فقدان دورة سائل الحفر أو مشاكل مواسير الحفر أو تغير الضغوط مع تقديم توصيات تساعد فريق الحفر على التدخل مبكرًا.
كما يمكن استخدامه لتحسين تصميم الآبار الأفقية وبرامج التكسير الهيدروليكي بما يرفع إنتاجية الآبار ويخفض زمن التنفيذ والتكلفة.
وهنا لا يحل الذكاء الاصطناعي محل مهندس الحفر، بل يمنحه أداة إضافية لاتخاذ قرار أسرع وأكثر دقة.

لم يعد تحسين كفاءة الطاقة مطلبًا بيئيًا فقط، بل أصبح قرارًا اقتصاديًا أيضًا. فالطاقة المهدرة تعني تكلفة أعلى والغاز المحترق بالشعلة يعني موردًا اقتصاديًا ضائعًا. ومن هنا تبرز أهمية التطبيقات التي ناقشتها الوزارة مع شركة شلمبرجير مثل المراقبة اللحظية لاستهلاك الطاقة وتحسين أداء المعدات والكشف المبكر عن انبعاثات الميثان وتقليل حرق الغاز بالشعلة ورفع كفاءة الضواغط والمضخات.
هذه التطبيقات تحقق هدفين في وقت واحد: زيادة الربحية وتقليل البصمة الكربونية وتعزيز قدرة الشركات على الالتزام بالمعايير البيئية العالمية.

الذكاء الاصطناعي لن يتوقف عند البترول والغاز .ففي قطاع التعدين يمكن استخدامه لتحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية لتحديد المناطق الأكثر احتمالًا لوجود الخامات وتحسين تخطيط المناجم وإدارة المعدات وتعزيز السلامة.
أما في صناعة البتروكيماويات فيمكنه تحسين ظروف التشغيل وخفض استهلاك الطاقة والتنبؤ بالأعطال وتحسين جودة المنتجات وزيادة كفاءة سلاسل الإمداد.

يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي أيضًا إلى أنشطة تداول الخام والمنتجات البترولية.
فمن خلال تحليل بيانات الأسواق والطلب العالمي وأسعار الشحن وحركة الناقلات والعوامل الجيوسياسية يمكن بناء نماذج تساعد الشركات على تحسين إدارة المخزون واختيار أفضل توقيتات الشراء والبيع وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد.
ومع ذلك ستظل هذه النماذج أدوات لدعم القرار وليست بديلًا عن الخبرة التجارية وإدارة المخاطر.

ليست مصر وحدها من تسير في هذا الاتجاه.
فأرامكو السعودية تستخدم الذكاء الاصطناعي في إدارة الحقول وتحسين أداء المكامن والصيانة التنبؤية.
وأدنوك بالتعاون مع AIQ  تطبق حلولًا ذكية في الحفر والإنتاج وإدارة العمليات.
وتواصل شلمبرجير تطوير منصات رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الجيولوجية وإدارة الحقول بينما تستثمر شركات مثل إكسون موبيل وشيفرون وشل وتوتال إنرجيز وبيكر هيوز وهاليبرتون في تطبيقات مشابهة لرفع الكفاءة وتقليل التكاليف.
بمعنى آخر فإن ما تشهده مصر اليوم ليس اتجاهًا محليًا، بل جزء من تحول عالمي يعيد تعريف صناعة الطاقة.

ورغم الإمكانات الكبيرة فإن النجاح لن يتحقق بشراء أحدث البرمجيات فقط.
فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بيانات دقيقة ومحدثة وبنية رقمية قوية وحوكمة واضحة للبيانات وأمن سيبراني يحمي الأصول الرقمية وكوادر بشرية قادرة على فهم التكنولوجيا وتوظيفها بالشكل الصحيح.
كما أن نجاح هذه المنظومة يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة وشركات التشغيل ومقدمي التكنولوجيا والجامعات ومراكز البحث العلمي حتى تصبح مصر منتجًا للمعرفة وليس مجرد مستخدم للتكنولوجيا.

ربما يكون عنوان هذا المقال هو السؤال الذي يشغل الكثيرين:
هل القرار القادم في قطاع البترول سيتخذه مهندس وجيولوجي أم الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة أن القرار سيظل مسؤولية الإنسان لأن الخبرة الميدانية والفهم الجيولوجي وتقدير المخاطر والاعتبارات الاقتصادية والاستراتيجية لا يمكن اختزالها في خوارزمية.
لكن في المقابل فإن المهندس أو الجيولوجي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي بفاعلية ستكون قراراته أسرع وأكثر دقة وأفضل استنادًا إلى الأدلة والبيانات.
وبالتالي فإن المنافسة في المستقبل لن تكون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل بين من يوظف هذه التقنية بكفاءة ومن يصر على العمل بأدوات الماضي.
وهذا هو جوهر التحول الذي تقوده وزارة البترول والثروة المعدنية اليوم.
فالرهان لم يعد على التكنولوجيا وحدها، بل على القدرة على دمجها مع الخبرة المصرية المتراكمة وتحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية والقرارات إلى إنتاج والإنتاج إلى نمو مستدام.
وعندما يتحقق ذلك لن يكون الذكاء الاصطناعي قد حل محل المهندس أو الجيولوجي، بل سيكون قد منحهما القدرة على رؤية ما لم يكن ممكنًا رؤيته من قبل واتخاذ قرارات أكثر كفاءة في صناعة أصبحت فيها البيانات موردًا لا يقل قيمة عن البترول والغاز نفسيهما.




تم نسخ الرابط