الأربعاء 09 سبتمبر 2026 الموافق 27 ربيع الأول 1448

محمد فرحات..بين حق التغيير وكرامة المسؤول

470
محمد فرحات
محمد فرحات

لا يمكن اختزال ثلاث سنوات قضاها المحاسب محمد فرحات على رأس شركة بتروجاس في عرض لم يلقى القبول خلال اجتماع الجمعية العامة، ولا يجوز محو ما تحقق في عهده من إنجازات لمجرد أن النهاية جاءت على نحو مفاجئ وقاسي.

فالرجل تولى مسؤولية واحدة من أهم شركات قطاع البترول وأكثرها اتصالًا بالحياة اليومية للمواطنين، وتعامل مع ملفات شديدة الحساسية تتعلق بتوفير البوتاجاز وإدارة منظومة الإنتاج والتعبئة والنقل والتوزيع، في ظل ظروف اقتصادية وتشغيلية لم تكن سهلة.

وخلال فترة رئاسته، حققت الشركة نتائج مهمة في ملف الغاز الراجع، ونجحت في استرداد نحو 258 ألف طن، تُقدر قيمتها بحوالي 258 مليون دولار، وهي كميات غير مسبوقة أسهمت في تحقيق وفر معتبر للدولة وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.

هذه الأرقام لا تعني أن تجربة محمد فرحات كانت خالية من الأخطاء، لكنها تؤكد أن الرجل لم يكن مجرد مسؤول يشغل مقعد، وإنما عمل واجتهد وحقق نتائج تستحق أن تدخل في ميزان التقييم.

وفي المقابل، كانت هناك ملاحظات تتعلق بملف السلامة، وهو ملف لا يحتمل التهاون داخل شركة بحجم وخطورة بتروجاس، ويبدو أن العرض المقدم خلال الجمعية لم يكن على المستوى المطلوب، سواء من حيث المضمون أو طريقة تقديم ما تحقق وما تواجهه الشركة من تحديات.

وقد يكون بعض المسؤولين عن إعداد ملف السلامة وتجهيز العرض لم يكونوا على قدر المسؤولية، ولم ينقلوا لرئيس الشركة الصورة الكاملة أو يقدموا معالجة مقنعة للملاحظات القائمة، لكن تظل المسؤولية النهائية لرئيس الشركة، باعتباره المسؤول الأول عن أداء مؤسسته وما يعرض باسمه أمام الجمعية.

ومع الاعتراف بذلك، يبقى السؤال الأهم: هل يستحق أي رئيس شركة أن يعرف قرار إقالته بهذه الطريقة وأمام الحاضرين، بعد سنوات قضاها في الخدمة؟

لقد أصبحت الطريقة التي تتم بها إقالة بعض رؤساء الشركات تحمل قدرً من القسوة، بل والإهانة أحياناً، فالإعفاء من المنصب حق أصيل للقيادة وصانع القرار، ولا توجد مناصب دائمة، كما أن من حق الوزير تغيير أي مسؤول يرى أنه لم يعد قادراً على تحقيق المستهدفات، لكن لهذا القرار طريقة تحفظ هيبة الدولة وكرامة المسؤول وتاريخ المؤسسة.

ليس مقبولاً أن يتحول اجتماع الجمعية العامة إلى لحظة انتظار لمعرفة من سيبقى ومن سيغادر، أو أن يفاجأ رئيس الشركة بقرار إقالته أمام مرؤوسيه وزملائه، وكأن سنوات خدمته لم تكن تستحق إخطاراً مسبقاً أو جلسة تقييم واضحة.

الفصل بين حق الإدارة في التغيير وحق المسؤول في الحفاظ على كرامته ضرورة لا يمكن تجاهلها، فالمنصب قد يزول في لحظة، لكن كرامة الإنسان وتاريخه المهني يجب ألا يكونا جزءاً من العقوبة.

وكان يمكن إبلاغ محمد فرحات بالقرار قبل الجمعية، ومناقشته في الملاحظات، ثم إعلان التغيير بصورة مؤسسية هادئة، فهذا لا ينتقص من حسم الوزير، ولا يقلل من قوة القرار، بل يمنحه قدراً أكبر من الاحترام والمهنية.

خرج محمد فرحات من رئاسة بتروجاس وله ما له وعليه ما عليه، له ما حققه من نتائج وما وفره للدولة، وعليه المسؤولية الإدارية عن الملاحظات التي ظهرت، وفي مقدمتها ملف السلامة، لكن تقييم تجربته يجب ألا يبدأ من لحظة خروجه فقط، وألا ينتهي عند عرض غير موفق.

لقد رحل رئيس الشركة، لكن تبقى طريقة الرحيل بحاجة إلى مراجعة، لأن بناء القيادات لا يكون بالإنجازات وحدها، كما أن تغييرها لا ينبغي أن يتم بإهدار كرامتها.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط