الخميس 13 أغسطس 2026 الموافق 30 صفر 1448

كيف اقتنصت "صان مصر" عقد المليار في العراق؟..سنوات من العمل فتحت الطريق أمام صفقة الزبير

231
المستقبل اليوم

لم يكن فوز شركة مصر للصيانة «صان مصر – EMC» بالمناقصة الدولية الجديدة لتوريد المعدات والمكونات الكهربائية اللازمة لحقول الزبير في محافظة البصرة العراقية، بقيمة تقارب 18.6 مليون دولار، ما يعادل مليار جنيه مصري، ولمدة 3 سنوات، مجرد تعاقد خارجي جديد يضاف إلى محفظة أعمال الشركة، وإنما يمثل نتيجة لمسار طويل من العمل داخل السوق العراقية، وبصفة خاصة في حقل الزبير، وبناء سجل من الخبرات والتعامل المباشر مع شركة إيني والمشروعات التي تديرها في العراق.

وبحسب البيانات التي أعلنتها «صان مصر»، فإن المناقصة طرحتها شركة إيني الإيطالية وشهدت منافسة مع عدد من الشركات المتخصصة، قبل أن تنجح الشركة المصرية في اقتناصها، ويتضمن نطاق التعاقد توريد مجموعة واسعة من المعدات والمكونات الكهربائية للوحدات الإنتاجية ومحطات الكهرباء بحقول الزبير، من بينها معدات الجهد المتوسط والمنخفض، ولوحات التوزيع، ومعدات ومكونات مراكز التحكم في المحركات، إلى جانب المكونات الكهربائية المرتبطة بالمنشآت والمرافق المختلفة للمشروع.

والبحث في تاريخ عمل «صان مصر» داخل العراق يكشف أن الطريق إلى العقد الجديد بدأ فعلياً منذ أكثر من عقد، وليس مع طرح المناقصة الأخيرة.

فالموقع الرسمي لشركة صان مصر يوثق حصول الشركة في عام 2015 على عقد لخدمات الصيانة بحقل الزبير الذي تديره إيني وشركة نفط الجنوب العراقية، موضحاً أن التعاون بين الأطراف يعود إلى عام 2012، عندما نجحت صان مصر في الحصول على عقدها الأول لتنفيذ أعمال الصيانة الميكانيكية والكهربائية بالحقل.

والأهم أن الشركة أكدت في توثيقها لهذا التعاقد أن نجاح تنفيذ العقد الأول كان عاملاً أساسياً في تعزيز ثقة إيني وإدارة حقل الزبير في صان مصر ومنحها امتداداً جديداً لأعمال الصيانة، وهو ما يكشف أحد أهم مفاتيح تفسير قدرتها اليوم على المنافسة على عقد جديد داخل الحقل نفسه.

وتؤكد تقارير منشورة في أبريل 2015 أن صان مصر حصلت وقتها على عقد لمدة عامين بقيمة 15 مليون دولار لأعمال صيانة المعدات الميكانيكية والكهربائية بحقول الزبير، وأن تجديد التعاقد جاء على خلفية الأداء الذي قدمته الشركة منذ بدء عملها هناك عام 2012.

هذه الاستمرارية تعني أن صان مصر لم تدخل المناقصة الأخيرة باعتبارها شركة تبحث للمرة الأولى عن موطئ قدم في العراق، وإنما باعتبارها شركة تمتلك خبرة تشغيلية وفنية متراكمة داخل البيئة نفسها التي ستورد إليها المعدات.

وتشير البيانات الرسمية الحديثة للشركة إلى أن فرع صان مصر بالعراق يتمتع بدور متقدم في السوق منذ 2011، وأن الشركة وسعت حصتها من خلال تنفيذ مشروعات استراتيجية مع شركات عالمية كبرى من بينها إيني وBP وسايبم وإكسون موبيل، كما تدرج الشركة ضمن أعمالها بالعراق مشروعات لإيني تشمل أعمال الصيانة الشاملة لمحطات الإنتاج والطاقة وأنظمة ضواغط الغاز في حقول الزبير.

وهنا تحديداً يمكن فهم جانب مهم من أسباب الفوز بالمناقصة الأخيرة، فالشركة التي أمضت سنوات في صيانة وتشغيل ومتابعة المعدات الكهربائية والميكانيكية داخل منشآت الزبير أصبحت لديها معرفة عملية بطبيعة المعدات، وظروف التشغيل، ومتطلبات الصيانة، واحتياجات المنشآت، وهي ميزة فنية وتجارية مهمة عند المنافسة على توريد مكونات مرتبطة بالمنظومة نفسها.

وتظهر السجلات الفنية المتاحة أن نطاق خبرة صان مصر في الزبير امتد إلى أعمال متعددة، من بينها الصيانة الوقائية والتصحيحية والتنبؤية للمعدات، فضلاً عن مشروعات مرتبطة بمولدات المضخات الكهربائية الغاطسة ESP، وهو ما يعكس عمق الوجود الفني للشركة داخل الحقل وليس مجرد تنفيذ عقد محدود ثم الخروج من السوق.

ومن ثم فإن قراءة العقد الجديد باعتباره صفقة توريد فقط لا تعطي الصورة كاملة، فالأقرب أنه يمثل تحولاً في طبيعة نشاط صان مصر الخارجي من تقديم خدمات الصيانة التقليدية إلى توسيع نطاق الأعمال ليشمل التوريدات والمكونات الفنية المرتبطة بالمشروعات، مستفيدة من خبرتها السابقة وعلاقات العمل التي بنتها في السوق العراقية، وهو ما حدث في عهد المهندس محسن قطب.

هذا التحرك يتسق أيضاً مع الأداء المالي والتشغيلي الأخير للشركة، فوفق البيانات المعلنة عن نتائج عام 2025، بلغت قيمة التعاقدات الجديدة لصان مصر نحو 19.6 مليار جنيه، فيما وصلت قيمة تعاقداتها خارج مصر إلى نحو 6.6 مليار جنيه، بزيادة 85%، كما ساهم النشاط الخارجي بنحو 58% من إجمالي الأرباح قبل الضرائب، وشملت أعمال الشركة الخارجية في العراق مشروعات لإيني وBP، إلى جانب أعمال الصيانة في حقلي الزبير وغرب القرنة.

وهذه الأرقام توضح أن التوسع الخارجي لم يعد نشاطاً مكملاً لصان مصر، وإنما أصبح أحد المحاور الرئيسية في نموذج أعمال الشركة ومصدراً مهماً للإيرادات والأرباح والعملات الأجنبية.

وبالربط بين تاريخ الشركة في العراق والعقد الجديد، يمكن رصد مجموعة عوامل أسهمت في تعزيز موقف صان مصر بالمناقصة: وجود ممتد بالسوق العراقية، وسجل سابق مع إيني، وخبرة مباشرة بحقل الزبير، ومعرفة تفصيلية بالمعدات والمنشآت، وكوادر فنية سبق لها العمل داخل الحقل، إلى جانب القدرة على إدارة مشروعات خارج الحدود والتعامل مع متطلبات الشركات العالمية.

ولا يمكن القول إن هذه العوامل وحدها حسمت نتيجة المناقصة ما لم تُنشر تفاصيل التقييم الفني والمالي للعروض المنافسة، لكنها تفسر بوضوح كيف بنت الشركة المصرية وضعاً تنافسياً قوياً داخل السوق العراقية على مدار سنوات.

والعقد الجديد ثمرة 14 عاماً من الحضور وبذلك، فإن قيمة العقد البالغة 18.6 مليون دولار مهمة، لكن الأهم هو ما يكشفه التعاقد عن تطور وضع الشركة المصرية في الخارج.

فمنذ دخول صان مصر إلى السوق العراقية، ثم بدء التعاون في الزبير قبل أكثر من عقد، مروراً بتجديد عقود الصيانة وتوسيع نطاق المشروعات، وصولاً إلى الفوز بالمناقصة الدولية الجديدة، تبدو الاستراتيجية واضحة: تنفيذ جيد يولد ثقة، والثقة تفتح الباب أمام عقود جديدة، ثم تتحول الخبرة المتراكمة إلى ميزة تنافسية عند طرح المناقصات التالية.

ولهذا يمكن النظر إلى صفقة الزبير الأخيرة باعتبارها أكثر من مجرد عقد توريدات لمدة ثلاث سنوات؛ فهي اختبار عملي لقدرة شركات قطاع البترول المصري على تحويل الخبرات والكوادر التي بنتها داخل مصر إلى صادرات حقيقية من الخدمات الهندسية والفنية والتوريدات إلى الأسواق الخارجية، وجلب إيرادات دولارية، وتعزيز اسم الشركات المصرية أمام كبار مشغلي الطاقة العالميين.

وبعد سنوات كان فيها السؤال هو: هل تستطيع شركات البترول المصرية المنافسة خارج الحدود؟ يبدو أن تجربة صان مصر في العراق تقدم إجابة عملية؛ فالشركة لم تدخل السوق بعقد واحد، وإنما بنت وجوداً استمر لأكثر من عقد، وتحول هذا الوجود اليوم إلى أحد أهم أسلحتها لاقتناص المزيد من الأعمال الدولية.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط