الخميس 13 أغسطس 2026 الموافق 30 صفر 1448

كارثة: إوعى تسلم بصمة وجهك لحد...إعرف الأسباب

232
المستقبل اليوم

أثار الحديث عن استخدام "بصمة الوجه" في تسجيل خطوط المحمول جدلاً مشروعاً حول حدود استخدام البيانات البيومترية، خاصة إذا كانت عملية جمع أو معالجة أو تخزين هذه البيانات ستتم عبر شركات خاصة، إذ إن القضية هنا لا تتعلق بصورة شخصية عادية، وإنما ببيانات رقمية شديدة الحساسية ترتبط بالهوية الجسدية للإنسان، ولا يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع رقم سري أو كلمة مرور.

وجاء رفض النائبة أميرة العادلي لتسجيل خطوط المحمول ببصمة الوجه، وتحذيرها من أن «بصمة وشي والهوية الرقمية مش هاسلمهم لشركة خاصة»، ليفتح الباب أمام سؤال أكبر: ما خطورة انتقال البيانات البيومترية للمواطنين إلى قواعد بيانات تديرها أو تصل إليها جهات تجارية؟


تكمن الخطورة الأساسية في الفارق بين البيانات البيومترية وبيانات الدخول التقليدية، فإذا تعرضت كلمة المرور للسرقة يستطيع صاحبها تغييرها خلال دقائق، وإذا سُرقت بطاقة مصرفية يمكن إيقافها واستبدالها، لكن الإنسان لا يستطيع استبدال وجهه أو بصمة أصبعه أو قزحية عينه.

وهذا تحديداً ما يجعل أي تسريب لبيانات القياسات الحيوية أكثر حساسية وأطول أثراً من تسريب كثير من أنواع البيانات الأخرى، وتوضح إرشادات مكتب مفوض المعلومات البريطاني أن خطورة اختراق البيانات البيومترية قد تكون أكبر لأنها تمثل سمات أساسية من الهوية الجسدية لا يمكن تغييرها بسهولة، وقد يؤدي تسريبها إلى فقدان السيطرة عليها لفترة غير محدودة.

ويشير المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا «NIST» إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الخصائص البيومترية ليست «أسراراً» بالمعنى التقليدي، فصورة الوجه يمكن الحصول عليها بالتصوير، مثلما يمكن التقاط بعض الخصائص البيومترية الأخرى بوسائل مختلفة، ولهذا يتطلب استخدامها مستويات إضافية من الحماية.

الخطر يتضاعف عندما لا تظل عملية التحقق من الوجه داخل هاتف المواطن، وإنما يتم إرسال البيانات أو القوالب البيومترية إلى خادم مركزي.

وتوضح وثائق NIST أن التحقق المحلي على الهاتف يختلف أمنياً عن التحقق عن بُعد، ففي الحالة الثانية قد تنتقل البيانات عبر الشبكة وتُخزن القوالب البيومترية في قاعدة مركزية، وبالتالي فإن اختراق قاعدة البيانات يمكن أن يؤدي إلى تعريض بيانات أعداد كبيرة من المسجلين للخطر دفعة واحدة.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي تطبيق واسع لبصمة الوجه ليس فقط: هل التقنية مفيدة؟ بل: أين ستذهب البصمة؟ ومن سيحتفظ بها؟ وهل ستحتفظ الشركة بالصورة الأصلية أم بقالب رقمي مشتق منها؟ وأين توجد الخوادم؟ ومن يمتلك صلاحية الوصول؟ وكم تبلغ مدة الاحتفاظ؟ وهل يمكن حذف البيانات نهائياً؟

هناك أيضاً ما يعرف تقنياً بمشكلة توسع نطاق الاستخدام، أي أن تجمع البيانات لغرض محدد، ثم تستخدم مستقبلاً في أغراض أخرى لم يكن المواطن يتوقعها عند تقديمها.

ويحذر NIST من أن تخزين البيانات البيومترية مركزياً يرفع مخاطر الاختراق، كما يفتح الباب أمام استخدامها في نطاق يتجاوز الغرض والتوقعات التي جُمعت من أجلها في الأصل.

لذلك فإن الموافقة على استخدام الوجه لتأكيد ملكية خط محمول مثلاً لا ينبغي أن تعني تلقائياً الموافقة على استخدام البصمة نفسها لأغراض التسويق أو تحليل السلوك أو مشاركتها مع أطراف أخرى أو ربطها بقواعد بيانات مختلفة، إلا وفق أساس قانوني واضح وضوابط محددة.

المسألة في مصر ليست مجرد تخوفات تقنية، فقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 وضع بيانات القياسات الحيوية «البيومترية» ضمن البيانات الشخصية الحساسة، إلى جانب البيانات الجينية والمالية والصحية وغيرها.

وهذا التصنيف مهم، لأنه يعني أن المشرّع نفسه أدرك أن هذه البيانات ليست بيانات شخصية عادية، وأن جمعها ومعالجتها يستلزمان مستوى مرتفعاً من الحماية والضوابط القانونية.

ومن ثم فإن النقاش حول تسجيل خطوط المحمول ببصمة الوجه يجب ألا يتحول إلى خلاف بين مؤيد للتكنولوجيا ومعارض لها؛ فالتكنولوجيا في حد ذاتها ليست المشكلة، وإنما القضية الحقيقية هي حوكمة البيانات.

قبل تسليم المواطنين بصمات وجوههم لأي منظومة تديرها شركة خاصة، يجب أن تكون هناك إجابات معلنة وواضحة: من المتحكم الحقيقي في البيانات؟ هل تحتفظ الشركة بها أم تقوم فقط بعملية تحقق لحظية؟ هل يمكن للشركة أو مقدم التقنية استخراج نسخة منها؟ ما مدة الاحتفاظ؟ ما آلية الحذف؟ ماذا يحدث إذا وقع اختراق إلكتروني؟ وهل توجد وسيلة بديلة أمام المواطن الذي لا يرغب في تقديم بياناته البيومترية؟

وهذه ليست اشتراطات نظرية، فإرشادات NIST الحديثة الخاصة باستخدام القياسات الحيوية تشدد على ضرورة الإعلان بوضوح عن البيانات التي يتم جمعها وكيفية تخزينها وحمايتها وحذفها، والحصول على موافقة صريحة ومستنيرة، ووجود سياسة معلنة للاحتفاظ بالبيانات وحذفها.

كما توصي إرشادات NIST في مجال المصادقة الرقمية بألا تكون البيانات البيومترية هي العامل الوحيد للمصادقة، وأن يتاح للمستخدم خيار غير بيومتري بديل، مع التعامل مع البيانات البيومترية باعتبارها معلومات شخصية حساسة.

لا يعني ذلك رفض استخدام بصمة الوجه من حيث المبدأ؛ فهي تقنية يمكن أن تكون فعالة في مكافحة انتحال الهوية والاحتيال وعمليات تسجيل الخطوط بأسماء مواطنين دون علمهم، ولكن تحقيق هذه الفوائد لا يستوجب بالضرورة إنشاء مخزون دائم من بصمات وجوه المواطنين لدى الشركات.

وهنا يظهر فارق جوهري بين التحقق من الوجه وبين الاحتفاظ ببصمة الوجه، فقد تكون هناك منظومة تستخدم البيانات البيومترية للحظات للتحقق من أن الشخص هو صاحب الهوية ثم تتخلص منها وفق تصميم تقني وقانوني محدد، بينما هناك نموذج آخر يقوم ببناء قاعدة بيانات مركزية دائمة. والمخاطر في النموذجين ليست متساوية.

كما أن أنظمة التعرف على الوجه نفسها ليست معصومة من الخطأ؛ وقد وثق NIST وجود اختلافات في معدلات الأخطاء بين بعض الخوارزميات والمجموعات الديموغرافية المختلفة، إلى جانب مخاطر محاولات خداع أنظمة التعرف وانتحال الهوية باستخدام الصور أو تقنيات التلاعب.

الخلاصة.. وجه المواطن ملك له، والقضية أكبر من مجرد طريقة حديثة لتسجيل شريحة هاتف، لأن بصمة الوجه مفتاح دائم مرتبط بجسد الإنسان، وإذا خرج هذا المفتاح من سيطرة صاحبه فمن الصعب استعادته أو تغييره.

ولهذا فإن أي اتجاه لتوسيع استخدام البيانات البيومترية للمواطنين يستوجب قبل التنفيذ تحديداً دقيقاً للضرورة والغرض، وأقل قدر ممكن من جمع البيانات، وضمانات تقنية وقانونية صارمة، وإفصاحاً كاملاً عن مكان التخزين ومدته والأطراف التي تستطيع الوصول إليه، وآلية واضحة للمحاسبة في حالة التسريب أو إساءة الاستخدام.

فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الخدمات التي أصبحت إلكترونية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة والمؤسسات على حماية المواطن أثناء هذا التحول.

والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب: كلمة المرور المسروقة يمكن تغييرها.. أما وجه الإنسان فلا يمكن استبداله.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط