أسامه داوود..الصحفي الذي يحارب من أجلنا جميعاً
نادراً، أن يكتب صحفي عن صحفي، فهذه مهنة اعتادت أن تُسلّط الضوء على الآخرين أكثر مما تلتفت إلى أصحابها، وربما لأن الصحفيين بطبيعتهم أكثر الناس قسوة على بعضهم بعضًا، في غرف الأخبار، وبين السطور، وفي سباقات السبق الصحفي، تتزاحم الطموحات، وتتقاطع الرؤى، ويصبح الاعتراف بتميز زميل عملة نادرة لا تُدفع إلا لمن يستحقها حقًا.
ولست أكتب اليوم لأنني أتفق مع كل ما كتبه أسامة داوود، ولا لأنني أرى أنه لا يخطئ، فالصحافة ليست دينًا، والصحفي ليس نبيًا، لكنها شهادة حق لرجل ظل لسنوات طويلة يكتب ما يراه، ويتحمل وحده ثمن ما يكتب.
عرفت الصحافة البترولية أسماء كثيرة، لكن قليلين فقط استطاعوا أن يصنعوا لأنفسهم مدرسة خاصة، وأحسب أن أسامة داوود واحد من هؤلاء، ليس لأنه الأعلى صوتًا، وإنما لأنه من أكثرهم استعدادًا لدفع ثمن الكلمة.
عاصر وزراء تعاقبوا على وزارة البترول، من عبدالهادي قنديل، إلى حمدي البنبي، إلى سامح فهمي، ثم عبدالله غراب، وشريف إسماعيل، وطارق الملا، وصولًا إلى كريم بدوي، وتبدلت الحكومات، وتغيرت السياسات، ورحل مسؤولون وجاء آخرون، بينما بقي الرجل محتفظًا بقلمه، يكتب وفق قناعته، مؤيدًا حين يرى ما يستحق التأييد، وناقدًا حين يعتقد أن النقد واجب.
ولعل القيمة الحقيقية لأي صحفي لا تُقاس بعدد من صفقوا له، وإنما بقدرته على أن يجعل المسؤول يقرأ، وأن يدفع المؤسسة إلى مراجعة نفسها، وأن يخلق مساحة للنقاش وليس للخوف، هذه هي الوظيفة الأصيلة للصحافة، لا أن تكون مجرد نشرة علاقات عامة.
وقد يستفيد كثيرون من نتائج المعارك التي يخوضها صحفي واحد، دون أن يشاركوه تبعاتها، فالكلمة الجريئة يدفع ثمنها صاحبها أولًا، بينما يجني ثمارها آخرون ربما لم يكتبوا سطرًا واحدًا، وهذه سنة عرفتها الصحافة منذ نشأتها، فكل مساحة حرية نعيشها اليوم، دفعت ثمنها أقلام سبقتنا، آمنت بأن المهنة رسالة قبل أن تكون وظيفة.
وأعترف أنني، مثل كثيرين من أبناء الصحافة البترولية، تعلمت من متابعة أسامة داوود أكثر مما تعلمت من كثير من الدورات والكتب، تعلمت أن الجرأة لا تعني التجريح، وأن الاستقلال لا يعني الخصومة، وأن الصحفي الحقيقي لا يقيس مواقفه بمدى رضا المسؤول عنه، بل بمدى اقتناعه بما يكتب.
قد نختلف معه في بعض التقديرات، وقد نتفق معه في كثير منها، لكن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أنه منح الصحافة البترولية حضورًا وهيبة، وأبقى على القلم شيئًا من كرامته في أوقات أصبح الصمت فيها أسهل، والمجاملة أكثر ربحًا.
ولذلك فإن الحديث عن أسامة داوود ليس احتفاءً بشخص، بقدر ما هو احتفاء بفكرة، فكرة أن تبقى في كل مهنة أصوات مستقلة، لا تكتب طلبًا لرضا أحد، ولا تصمت خوفًا من أحد، ولا تغير مواقفها مع تغير الأشخاص.
وفي زمن أصبح فيه كثيرون يفضلون السلامة على الحقيقة، تبقى الأقلام الجريئة ضرورة، حتى وإن اختلفنا معها، لأن وجودها وحده يمنح المهنة حياة، ويمنح زملاءها مساحة أوسع للعمل، ويذكر الجميع بأن الصحافة لا تكون صحافة إلا إذا احتفظت بحقها في السؤال، وحقها في النقد، وحقها في أن تقول: لا… عندما يرى الجميع أن الصمت هو الخيار الأسهل.
لهذا أكتب عن أسامة داوود، لا لأنه يحتاج إلى شهادة مني، وإنما لأن المهنة نفسها تستحق أن نعترف لمن حافظوا على هيبتها، بأن ما فعلوه لم يكن دفاعًا عن أنفسهم وحدهم، بل عن كرامة صحفيين كثيرين ربما لم يلتقوا بهم يومًا، لكنهم استفادوا من المساحة التي صنعها لهم قلم لم يعرف التراجع.
#حكاوي_علام #المستقبل_البترولي