وائل عطية يكتب: التقرير الختامي لإيجيبس 2026 هل يرتقي إلى المعايير العالمية؟
خلال مداخلة الكاتب الصحفي ضياء رشوان وزير الإعلام مع الإعلامي عمرو أديب قبل انطلاق مؤتمر إيجيبس ٢٠٢٦ وفي ذروة التوترات الإقليمية والحرب الإيرانية أكد رشوان أن استمرار انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت الحساس يعكس ثقة المؤسسات الدولية في الاستقرار المصري وقدرة الدولة على استضافة حدث عالمي بهذا الحجم. لكن بعيدًا عن رسائل الثقة السياسية والتنظيمية يبقى السؤال الأهم بعد صدور التقرير الختامي للمؤتمر: هل ستتحول مخرجات إيجيبس فعلًا إلى استثمارات حقيقية وتدفقات مالية ومشروعات على الأرض أم ستظل الأرقام والاتفاقيات في إطار الزخم الإعلامي والاحتفالي؟
تلقيت نسخة من التقرير الختامي لمؤتمر ومعرض مصر للطاقة إيجيبس ٢٠٢٦، وبدت الأرقام في البداية مثيرة للإعجاب: عشرات الآلاف من المشاركين، مئات الشركات العالمية واتفاقيات إقليمية واعدة. لكن مع قراءة أعمق يتجاوز السؤال مجرد حجم الحدث إلى جوهر تأثيره الحقيقي: هل يعكس هذا الزخم تحولًا فعليًا في قطاع الطاقة أم أنه نجاح تنظيمي يحتاج إلى ترجمة اقتصادية واستراتيجية أكثر وضوحًا ليقترب من مستوى الفعاليات العالمية الكبرى مثل أديبك؟
يعكس التقرير الختامي لمعرض ومؤتمر مصر للطاقة 2026 EGYPES طموحًا واضحًا لترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة وهو طموح تدعمه أرقام مشاركة قوية. فقد استقطب الحدث أكثر من ٤٠ ألف مشارك دولي وضم ٤٨٨ شركة عارضة إلى جانب ٥١ شركة من شركات الطاقة الوطنية والدولية و ١٣ جناحًا دوليًا. هذه الأرقام تضع إيجيبس ضمن أبرز الفعاليات الإقليمية وتعكس قدرة تنظيمية كبيرة على جذب الفاعلين الرئيسيين في الصناعة.
على المستوى السياسي والاستراتيجي جاء افتتاح المؤتمر بمشاركة رفيعة المستوى وتُوّج بتوقيع اتفاقيات مهمة أبرزها الاتفاق بين مصر وقبرص لتعزيز التعاون في مجال الغاز الطبيعي بما يشمل استخدام البنية التحتية المصرية لتصدير الغاز القبرصي. كما تم توقيع اتفاقيات أخرى مع شركات عالمية مثل شيفرون لتطوير حقل أفروديت إلى جانب اتفاقيات استكشاف في البحر الأحمر. هذه التحركات تعزز من دور مصر كمحور إقليمي للطاقة لكنها تظل بحاجة إلى ربط أوضح بأرقام استثمارية محددة أو عوائد اقتصادية متوقعة.
أما المؤتمر الاستراتيجي فقد شهد مشاركة ١١٤٧ مندوبًا و ١٣١ متحدثًا عالميًا عبر ٣٤ جلسة تغطي ١١ محورًا رئيسيًا شملت قضايا أمن الطاقة والتحول الطاقي، والهيدروجين، والذكاء الاصطناعي. ورغم هذا التنوع يُلاحظ أن التقرير ركّز على عرض الموضوعات والنقاشات أكثر من إبراز نتائجها العملية أو التوصيات القابلة للتنفيذ.
وفي الجانب الفني جاء المؤتمر أكثر عمقًا حيث تضمن ٥٤ جلسة تقنية ضمن ٢٠ تخصصًا بمشاركة ١٨٣ متحدثًا. وتناولت هذه الجلسات موضوعات متقدمة مثل تحسين إنتاجية الحقول المتقادمة والتحول الرقمي وتقنيات خفض الانبعاثات. كما برز إطلاق مركز الابتكار والذكاء الاصطناعي كإضافة نوعية تعكس توجهًا نحو تبني التكنولوجيا في قطاع الطاقة. ومع ذلك، يفتقر التقرير إلى مؤشرات كمية توضح أثر هذه التقنيات مثل نسب تحسين الكفاءة أو خفض التكاليف.
وعند مقارنة التقرير بتقارير فعاليات عالمية مثل أديبك تظهر عدة فجوات واضحة. أولها غياب التحليل الاقتصادي الكمي، إذ لا يقدم التقرير تقديرات دقيقة لحجم الاستثمارات الناتجة عن الاتفاقيات أو تأثيرها على الاقتصاد. ثانيًا، ضعف مؤشرات الأداء حيث يركز على أعداد الحضور والشركات دون قياس العائد الفعلي أو الصفقات المبرمة. ثالثًا، غياب المقارنات الدولية التي تضع الحدث في سياقه العالمي. رابعًا، محدودية البيانات المتعلقة بالاستدامة رغم أهمية هذا الملف عالميًا. وأخيرًا، يُلاحظ أن التقرير يعتمد بشكل كبير على التصريحات الرسمية دون ترجمتها إلى خطط تنفيذية واضحة أو جداول زمنية محددة.
في المقابل، لا يمكن إغفال أن إيجيبس ٢٠٢٦ نجح في خلق منصة حقيقية للحوار والتعاون وجمع بين صناع القرار والشركات العالمية كما عزز من صورة مصر كمركز محوري للطاقة في شرق المتوسط. لكن الانتقال من منصة حوار إلى محور تأثير يتطلب تطوير أدوات القياس والتحليل والانتقال من عرض الإنجازات إلى تقييم نتائجها بشكل دقيق.
في النهاية، يقدم التقرير الختامي صورة إيجابية وقوية عن الحدث لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من العمق التحليلي والشفافية الرقمية ليقترب من المعايير العالمية. فالأرقام الكبيرة مهمة لكن الأهم هو ما تعنيه هذه الأرقام على أرض الواقع وكيف تتحول إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية ملموسة.