مجرد رأي: أشرف بهاء..الشهر الأخير والإنجاز الطويل
في أحد أحياء مدينة نصر الهادئة والعريقة، يقف المقر الرئيسي لشركة جنوب الوادي المصرية القابضة للبترول شاهدًا على كيان عريق ظل لسنوات يمثل الذراع البترولية للدولة في جنوب مصر، بما يحمله ذلك من أهمية استراتيجية تتجاوز حدود الإنتاج إلى آفاق التنمية والتوسع الجغرافي.
منذ اللحظة الأولى لدخول هذا المبنى، تشعر بأنك أمام مؤسسة ذات طابع خاص، نظام واضح، هدوء منضبط، موظفون يستقبلونك بأدب واحترام، وانسيابية تعكس ثقافة عمل مستقرة لا تزال حاضرة رغم ما مرّ على الشركة من تحولات وتحديات.
تعاقب على قيادة الشركة عبر تاريخها عدد من الأسماء اللامعة في قطاع البترول، من بينهم المهندس محمد شيمي، والجيولوجي علاء البطل، وصولًا إلى رئيسها الحالي المهندس أشرف بهاء، الرجل الذي تسلم المسؤولية في توقيت بالغ الصعوبة، بينما كانت الشركة تمر بفترة من التراجع والجمود، حتى خُيّل للبعض أنها خرجت من حسابات المشهد البترولي، لكنها وصلت لمعدلات إنتاجية لم تصل إليها من قبل، فتجاوز إنتاجها 38 ألف برميل يومي، بعد ان كان لا يتجاوز سقف ال20 ألف برميل عندما تقلد رئاستها أشرف بهاء.
لكن ما بدا للبعض نهاية وشيكة، كان في الحقيقة بداية مختلفة.
فمع التغيير الوزاري الأخير، وتواجد المهندس كريم بدوي، وما صاحبه من إعادة ترتيب للصفوف داخل الشركة، بدأ كيان جنوب الوادي يستعيد أنفاسه من جديد، وجاءت دفعة قوية، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الحركة والعمل والعودة إلى الميدان.
وهنا برز دور المهندس أشرف بهاء، الذي لم يتعامل مع المنصب باعتباره محطة أخيرة في مشوار طويل، بل باعتباره تحديًا جديدًا يجب الانتصار فيه.
الرجل الذي سيبلغ سن التقاعد ويغادر منصبه خلال أقل من شهر، "إن لم يُجدد له" لم يكتفِ بإدارة هادئة للأيام الأخيرة من خدمته، بل اختار أن يترك أثرًا واضحًا قبل الرحيل، وأن يكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الشركة.
وحين نتأمل مسيرته، نفهم سر هذا الأداء،فهو أحد أبناء بتروجت الذين قضوا جُل عمرهم الوظيفي داخل واحدة من أكبر مدارس التنفيذ والمشروعات في قطاع البترول، حيث تشكلت خبراته في مواقع العمل الهندسي والإدارة الصارمة، ثم انتقل إلى الهيئة المصرية العامة للبترول ليتولى نيابة التخطيط والمشروعات، وهي من أكثر المواقع تأثيرًا في رسم خريطة الاستثمار والتنفيذ داخل القطاع، بعدها تقلد رئاسة إنبي، ثم رئاسة صان مصر، قبل أن يصل إلى رئاسة جنوب الوادي، ليختتم رحلة مهنية حافلة بالمناصب الثقيلة والمسؤوليات الكبرى.
هذه السيرة وحدها تكفي لتفسير كيف استطاع الرجل أن يعيد ترتيب المشهد داخل الشركة سريعًا، ففي عهده، استعادت جنوب الوادي نشاطها الاستكشافي، وتحركت الأعمال السيزمية في مناطق واسعة، من خليج السويس إلى الصحراء الشرقية وحتى امتدادات الصعيد، وتم فتح ملفات مناطق ظلت ساكنة لسنوات، وإعادة طرح فرص استثمارية، وتوقيع اتفاقيات جديدة.
ولم يتوقف الأمر عند الاستكشاف، بل امتد إلى الشركات التابعة، حيث تنشط برامج إصلاح الآبار، والحفر التوسعي، واستخدام الطاقة الشمسية، والاستفادة من الغاز المصاحب في توليد الكهرباء، وتحديث بعض الوحدات الإنتاجية لتتحول من عبء مالي إلى فرص واعدة.
ومع هذا النشاط، عادت الشركة إلى دائرة الاهتمام البترولي، فتم دعم الهيكل الإداري بقيادات جديدة في الإستكشاف والإنتاج والمالية والتخطيط، بما يتناسب مع حجم الحركة المتزايدة.
ما يلفت الانتباه هنا أن المهندس أشرف بهاء فعل كل ذلك وهو على أعتاب التقاعد، في وقت يختار فيه كثيرون الاكتفاء بإدارة الوقت حتى نهاية الخدمة، لكنه اختار أن يعمل حتى اللحظة الأخيرة، وكأن بدايته المهنية ما زالت بالأمس.
وهذا هو الفارق بين من يشغل المنصب، ومن يصنع فيه أثرًا، ومن الإنصاف أيضًا الإشارة إلى الدور المهم للدكتور محمد رضوان، الذي منح ملف الاستكشاف دفعة قوية، وفتح الأبواب أمام رؤية جديدة أعادت الحيوية إلى قلب الشركة.
اليوم، تقف جنوب الوادي في وضع مختلف تمامًا عمّا كانت عليه منذ أشهر قليلة، من حالة القلق إلى مسار الأمل، ومن الركود إلى الحركة، ومن الخوف على المستقبل إلى الحديث عن فرص جديدة.
تحية للمهندس أشرف بهاء، الذي يوشك على مغادرة مقعده الرسمي، "إن غادر"، وإذا غادر فسيغادر تاركًا وراءه ما هو أهم من المنصب: سيرة محترمة، وتجربة ناجحة، ورسالة واضحة بأن سنوات الخبرة الطويلة تستطيع أن تصنع الفارق حتى في أصعب اللحظات.
وتحية لكل قيادة تعمل بصمت، لأن الأثر الحقيقي لا تصنعه الضوضاء، بل تصنعه النتائج.
🟥المستقبل البترولي