مجرد رأي: هاني وناصر ورضا...مناصب التعدين تعود لأبنائه
ربما كان أحد أهم الانتصارات الهادئة التي تحققت خلال الفترة الماضية في قطاع الثروة المعدنية، هو وصول عدد من أبناء التعدين إلى مواقع القيادة داخل الشركات التابعة والعاملة في هذا النشاط الحيوي، بعد سنوات طويلة كان فيها الطريق إلى هذه المناصب أكثر وعورة مما ينبغي.
فإذا كانت الحركة الأخيرة قد شهدت اختيار اثنين من أبناء الثروة المعدنية لتولي رئاسة شركات مهمة، فإن البداية الحقيقية لهذا المسار جاءت قبل ذلك مع المحاسب هاني الزهيري، الذي تولى رئاسة الشركة المصرية لتسويق الفوسفات، ليصبح أول نموذج واضح لقيادي خرج من رحم شركات التعدين وتحديداً من شركة واديكو، ثم نجح في تعزيز مكانة الشركة وترسيخ دورها في سوق تسويق الخامات التعدينية.
وجاءت الحركة الأخيرة لتدعم هذا التوجه بتولي المهندس ناصر شاهين رئاسة شركة فوسفات مصر، والجيولوجي رضا سليم رئاسة شركة الوادي الجديد للثروة المعدنية والطفلة الزيتية، وكلاهما من أبناء هيئة الثروة المعدنية، وهي خطوة تحمل دلالات مهمة تتجاوز مجرد شغل المناصب إلى إعادة الاعتبار للكفاءات التي نشأت داخل هذا النشاط وتفهم تفاصيله وتعقيداته.
ولعل أهمية هذا التوجه تتضح أكثر إذا تذكرنا أن بعض الشركات التعدينية الكبرى شهدت خلال السنوات الماضية تولي قيادات قادمة من خارج القطاع التعديني، فعلى سبيل المثال، تولى رئاسة شركة فوسفات مصر خلال السنوات الأخيرة قيادي من قطاع البترول، وهي تجربة لها ما لها وعليها ما عليها، لكن نتائج الشركة وما تواجهه من تحديات تجعل مهمة المهندس ناصر شاهين اليوم أشبه بمعركة حقيقية لإعادة البناء واستعادة المكانة التي تستحقها الشركة.
فالرجل ليس غريباً عن الملف، بل جاء من قلب هيئة الثروة المعدنية، ويملك خبرة واسعة في الجوانب الفنية والتسويقية والعمليات الجيولوجية والتعدينية، فضلاً عن خلفيته كمهندس حفر، وهي خبرة تمنحه فهماً عميقاً لطبيعة النشاط وتحدياته، لذلك يبدو واضحاً أن وزارة البترول والثروة المعدنية تراهن عليه في مرحلة تحتاج إلى رؤية وخبرة وقدرة على اتخاذ القرار.
أما الجيولوجي رضا سليم، فقد يكون أكثر حظاً من حيث نقطة البداية، بعدما تسلم شركة الوادي الجديد للثروة المعدنية والطفلة الزيتية من المهندس أمجد عبد الرازق، الذي بذل جهداً كبيراً في إعادة الشركة إلى المشهد ووضعها على الطريق الصحيح بعد سنوات طويلة من الجمود، حتى بدا وكأنها كانت غائبة عن خريطة التطوير لما يقرب من سبعة عشر عاماً.
لكن البناء على ما تحقق لا يقل صعوبة عن البداية نفسها، ولذلك فإن المهمة الملقاة على عاتق رضا سليم ليست أقل ثقلاً، لأنها تتطلب استكمال ما بدأه السابقون وتحويله إلى نتائج ملموسة ومستدامة.
وفي تقديري، فإن القضية لا تتعلق بأسماء بعينها، بقدر ما تتعلق بفلسفة إدارة قطاع التعدين كله، فمن الطبيعي أن يكون أبناء النشاط هم الأقدر على قيادته، تماماً كما يحدث في مختلف القطاعات المتخصصة.
كما أن استمرار إيفاد قيادات من خارج التعدين لتولي المناصب القيادية داخل الهيئة أو الشركات التابعة لها يترك أثراً سلبياً على الروح المعنوية للكفاءات التعدينية، ويخلق شعوراً دائماً بعدم الاستقرار أو بأن فرصهم في الوصول إلى القمة أقل من غيرهم.
والحقيقة أن أبناء الثروة المعدنية ليسوا أقل كفاءة من أحد، بل إن بينهم نخبة من أفضل الجيولوجيين ومهندسي التعدين في مصر والمنطقة، وهم الأجدر بقيادة هذا القطاع الذي يعرفون تفاصيله ويعيشون تحدياته اليومية.
لقد نادينا كثيراً بأن تكون مناصب التعدين لأبنائه، لا إقصاءً لأحد، ولكن إيماناً بأن أهل الدار أدرى بشعابها، وإذا كانت هيئة الثروة المعدنية قد خطت خطوات مهمة نحو التطوير التشريعي خلال السنوات الأخيرة، فإن استكمال هذا المسار يقتضي أيضاً تمكين كوادرها ومنحها الثقة الكاملة لتتولى قيادة مستقبل القطاع.
فالتعدين لا يحتاج فقط إلى استثمارات ومشروعات جديدة، بل يحتاج أيضاً إلى إيمان حقيقي بأبنائه، لأن بناء المؤسسات يبدأ دائماً من بناء الإنسان الذي ينتمي إليها.
#المستقبل_البترولي