د جمال القليوبي يكتب: سيناريوهات أسعار النفط..وقت اللا حرب واللا سلم!
منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، دخلت أسواق النفط العالمية في حالة من الاضطراب غير المسبوق، بعدما تعطلت جزئيًا سلاسل الإمداد النفطي القادمة من دول الخليج عبر بحر العرب، إثر التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يوميًا. هذا التطور لم يكن مجرد أزمة عابرة في ميزان العرض والطلب، بل تحوّل إلى حالة استراتيجية معقدة تتأرجح فيها الأسواق بين مخاوف الانقطاع الكامل للإمدادات، وبين محاولات دبلوماسية وتقنية لإبقاء المضيق مفتوحًا ولو جزئيًا. والنتيجة أن العالم يعيش اليوم فترة “لا حرب ولا سلم”، حيث لا القتال توقف بشكل كامل، ولا التفاوض أفضى إلى تهدئة راسخة، وباتت أسعار النفط رهينة لكل تصريح سياسي أو عسكري يصدر من أي من طرفي الأزمة.
المستوى الراهن للأسعار
وصلت أسعار النفط في تعاملات البورصات الفورية إلى نحو 88 دولارًا لخام برنت، وحوالي 84.7 دولارًا لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي، وهي مستويات تعكس تراجعًا نسبيًا عن الذروة التي لامستها الأسعار خلال الأسابيع الماضية حين اقتربت من عتبة 91-93 دولارًا للبرميل، مدفوعة بمخاوف انقطاع الإمدادات عبر هرمز. هذا التذبذب بين الصعود والهبوط في نطاق ضيق نسبيًا يعكس حالة من “التوازن الهش”: فكل تقرير عن تراجع عدد الناقلات العابرة للمضيق يدفع الأسعار للصعود، وكل مؤشر على استئناف الملاحة ولو جزئيًا يعيد الأسعار للتراجع. وتبقى السوق في حالة ترقب دائم، حيث لم تعد الأساسيات التقليدية من عرض وطلب هي المحرك الوحيد، بل حلّت محلها “علاوة المخاطر الجيوسياسية” كعامل حاكم في التسعير اليومي.
السيناريو الأول: التصعيد الشامل
يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأكثر تشاؤمًا وخطورة. فمع استمرار التصريحات النارية من الإدارة الأمريكية بشأن توجيه ضربات ساحقة للبنية التحتية النفطية الإيرانية، تشمل محطات الكهرباء والجسور والأرصفة البحرية والمناطق الصناعية ومواقع تخصيب اليورانيوم مثل منشأة جبل الفأس (فوردو)، فإن الرد الإيراني المتوقع من الخارجية والحرس الثوري يشير إلى استعداد لعمليات نوعية ذات تأثير مباشر على المصالح الأمريكية في المنطقة، بل وتهديدات بالزحف البري نحو بعض الدول العربية المجاورة. تحقق هذا السيناريو يعني عمليًا نقل الحرب من كونها مواجهة ثنائية محدودة إلى صراع إقليمي يطال دول الخليج مباشرة، وهو ما سينعكس بشكل جنوني على أسعار النفط، مع توقعات بأن تلامس مستويات 150 دولارًا للبرميل، في ظل خروج جزء كبير من الطاقة الإنتاجية الخليجية من السوق وشلل شبه كامل للملاحة في المضيق.
السيناريو الثاني: استمرار التوتر المُدار
يفترض هذا السيناريو بقاء الوضع الراهن على حاله دون تصعيد كبير أو تهدئة حقيقية، مع استمرار تبادل التصريحات الحادة بين الطرفين، وبقاء المضيق مغلقًا جزئيًا أو مقيدًا، مصحوبًا بضربات متفرقة كردود أفعال متبادلة. في هذا الإطار، ستستمر آثاره على حرية الملاحة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، إلى جانب إطالة المدة الزمنية لتسليم شحنات النفط، نتيجة لجوء الناقلات إلى مسارات بديلة تتجنب قناة السويس، تفاديًا لاستهداف الحوثيين للسفن المرتبطة بالمصالح السعودية. وفي ظل هذا السيناريو، ستضطر دول صناعية كبرى إلى السحب من مخزوناتها الاستراتيجية لتخفيف الضغط على الأسعار، ما قد يبقيها عند مستوى أقل من 85 دولارًا للبرميل، في توازن هش بين شح المعروض وتدخلات المخزون الاستراتيجي.
السيناريو الثالث: العودة إلى طاولة التفاوض
هو السيناريو الأقل ترجيحًا في المدى القريب، لكنه يظل قائمًا كخيار بعد أن يستنفد الطرفان أدوات التصعيد والتصلب في المواقف المرتبطة بمصالح ذاتية لكل منهما. فقد تنجح وساطة إقليمية أو دولية في تقديم قدر من المرونة حول النقاط الخلافية العالقة، وهو ما قد يفضي إلى انفراجة تسمح بإعادة فتح المضيق ولو جزئيًا، وعودة تدفق الإمدادات النفطية إلى الأسواق العالمية. في هذه الحالة، من المتوقع أن تتراجع الأسعار إلى مستويات قريبة من 70 دولارًا للبرميل. غير أن هذا التراجع قد يكون مؤقتًا، إذ من المرجح أن تندفع دول العالم لزيادة مشترياتها من الأسواق لتعويض ما استنزفته من مخزوناتها الاستراتيجية خلال الأزمة، وهو ما يقودنا إلى سيناريو رابع مرتبط بهذا المسار.
السيناريو الرابع: ضغط الشراء الجماعي
في حال تزامن إقبال دول مجموعة العشرين على الشراء الجماعي والمكثف من الأسواق في وقت واحد، لتعويض مخزوناتها المستنزفة عقب انفراجة السيناريو الثالث، فإن ذلك قد يخلق ضغطًا مفاجئًا على جانب الطلب، يدفع الأسعار مجددًا للارتفاع نحو مستويات 90 دولارًا للبرميل، إلى أن تتمكن الدول المنتجة من زيادة كمياتها المضخوخة لتلبية هذا الطلب المتزايد. وهذا السيناريو يوضح أن حتى مسار “التهدئة” لا يخلو من تقلبات سعرية حادة، طالما ظل العالم يتحرك في منطقة رمادية بين الحرب والسلم.
التوصية: تعزيز المخزون الاستراتيجي المصري
في ظل هذه السيناريوهات الأربعة المتباينة، وما تحمله من احتمالات لتقلبات حادة في أسعار النفط، تبقى التوصية قائمة بضرورة زيادة حجم المخزون الاستراتيجي النفطي لمصر، بحيث تتجاوز كمياته المخزّنة حاجز 200 مليون برميل. فتطبيق آليات التحوط بهذا الشكل يمثل صمام أمان للاقتصاد الوطني، ويحافظ على استقرار مستويات أسعار الوقود المرصودة في الموازنة العامة للدولة، بمنأى عن التقلبات الحادة التي قد تفرضها أي من السيناريوهات السابقة. فمنظومة التخزين المُثلى ليست ترفًا استراتيجيًا، بل ضرورة للوفاء بالتزامات الدولة تجاه مواطنيها وقطاعاتها الإنتاجية، سواء في أوقات ارتفاع الأسعار أو تراجع المعروض نتيجة الحروب المشتعلة في الشرق الأوسط، أو في مواجهة أي أزمات طارئة أخرى قد تؤثر على توفر السلع الوقودية محليًا، بما يضمن أمنًا نفطيًا مستدامًا بعيدًا عن رهانات الجغرافيا السياسية المتقلبة ….والي تكمله قادمة