الخميس 23 أبريل 2026 الموافق 06 ذو القعدة 1447

مجرد رأي: صلاح عبدالكريم وقصة الرجل الآخر

223
المهندس صلاح عبدالكريم
المهندس صلاح عبدالكريم

في السينما المصرية، يبقى الرجل الآخر واحدًا من تلك الأعمال التي لم تكن مجرد حبكة درامية، بل قراءة عميقة لفكرة الإنسان الذي يعيش خلف الستار، يتحرك بصمت، ويتحمل ما لا يراه الآخرون، بينما تتجه الأنظار إلى شخص أخر ليس هو بطل الحكاية .

هذا النوع لا يعرفه الناس سريعًا، لأن الشخص ذاته لا يملك وقتًا لصناعة الصورة، ولا يجيد فنون الترويج لنفسه، ولا يتوقف أمام المرآة كثيرًا، لأن أمامه ما هو أهم، أمامه مسؤوليات كاملة تحتاج إلى من يحملها دون ان يشكو.

وفي الحياة الواقعية، كثيرًا ما تحتاج المؤسسات الكبرى، بل والدول الكبرى، والقطاعات الحساسة، إلى هذا النموذج، نموذج الرجل الآخر، الرجل الذي لا يتصدر المشهد، لكنه يمنع المشهد من الانهيار، الرجل الذي قد لا يكثر الحديث، لكن حضوره يعني أن الأمور تسير وتتحرك، وأن الخلل حين يظهر يجد من يطارده قبل أن يكبر.

وفي قطاع البترول، حين تبحث عن هذا المعنى، تجده يتجسد في أشخاص كثيرين، لكن يظل اسم رئيس الهيئة المهندس صلاح عبدالكريم حاضرًا بقوة، لا لأن أحدًا يفرض حضوره، بل لأن طبيعة المنصب، وطبيعة المرحلة، وطبيعة ما يتحمله الرجل، تضعه تلقائيًا في هذا الموقع.

وليس من السهل أبدًا أن تدير الهيئة المصرية العامة للبترول في أي وقت، فهذه الهيئة ليست شركة صغيرة، ولا هيئة ذات نشاط محدود، بل هي قلب يمس كل بيت، وكل مصنع، وكل سيارة، وكل شارع، وكل فرصة إنتاج في هذا البلد.

فكيف بنا إذا جاء هذا الإسم في زمن استثنائي؟ زمن تتقلب فيه الأسواق العالمية كل لحظة، وترتفع فيه أسعار الخام فجأة ثم تهبط، وتشتعل مناطق الصراع في الإقليم، وتتزايد كلفة الاستيراد، وتضغط احتياجات السوق المحلي،وتنتظر الشركات الأجنبية مستحقاتها، وتحتاج الحقول إلى استثمارات، وتسابق المشروعات الزمن، ويطالب الجميع بالنتائج الفورية، بينما الواقع يقول إن بعض النتائج تحتاج لسنوات.

وسط هذا المشهد المعقد، هناك رجل يبدأ يومه مبكرًا، يصل مكتبه قبل أن تفيق المدينة كلها، ويجلس أمام طاولة لا تحمل ملفًا واحدًا بل عشرات الملفات، وربما مئات التفاصيل، وكل تفصيلة منها مرتبطة بمصالح دولة كاملة.

أعرف أن هناك من يظن أن المنصب امتياز، بينما الحقيقة أن بعض المناصب إختبار يومي، وهناك من يظن أن الكرسي سلطة، بينما الحقيقة أن بعض الكراسي حمل ثقيل، وهناك من يظن أن المسؤول يملك رفاهية القرار، بينما الحقيقة أن كثيرًا من القرارات تُصنع تحت ضغط الوقت، وتحت ضغط الضرورة، وتحت ضغط توازنات لا يراها من هو بعيد عن المطبخ.

صلاح عبدالكريم، في تقديري، من هؤلاء الذين يعملون في قسوة الضرورة لا في رفاهية الاختيار، لأن كل توقيع يصدر عنه، خلفه أرقام وحسابات ومراجعات، وكل اجتماع يعقده، خلفه أزمة لابد من احتواؤها أو فرصة لابد من اقتناصها، وكل زيارة، خلفها رسالة بأن المتابعة ضرورة، وأن كل يوم يمر دون أزمة، هو نجاح لا يراه كثيرون، لأن الناس غالبًا لا ترى إلا المشكلات، أما انتظام العمل يراه العامة أمراً طبيعيًا، رغم أنه في الحقيقة ثمرة جهد شاق.

ومن يعرف كواليس قطاع البترول، يدرك أن رئاسة الهيئة ليست وظيفة نمطية، وليست منصبًا للظهور، بل موقع اشتباك دائم مع ملفات لا تنتهي، ملف الإنتاج وملف الشركاء الأجانب وملف الاستكشافات الجديدة وملف سداد المستحقات وملف توازن السوق المحلي وملف الشركات التابعة وملف السلامة والصحة المهنية وملف العمالة وملف الاستثمارات وملف المشروعات الجديدة وملف الأزمات المفاجئة، ولو أن كل ملف من هذه الملفات وُضع وحده أمام مسؤول مستقل، لاحتاج إلى طاقة كاملة، فكيف إذا اجتمعت كلها على مكتب وقلب رجل واحد؟

هنا يظهر معنى الرجل الآخر، الرجل الذي قد لا يسمع الناس صوته كل يوم، لكنهم يشعرون بأثره كل لحظة، حين تصل الإمدادات وحين تستمر المصانع وحين تتحرك الجمعيات العمومية بانتظام وحين تجد الشركات من يتابعها وحين يشعر المستثمر أن هناك من يستمع وحين يدرك العامل أن الهيئة لم تتخلى عن موقعها، الرجل الذي يفهم أن النجاح في بعض المناصب ليس بالكلام، بل بمنعه، وليس أن تتحدث كثيرًا، بل أن تجعل العمل يتحدث ، بل أن تؤدي واجبك حتى لو لم يشكرك أحد.

الأمور حين تتعقد، يهرب البعض إلى التبرير، بينما يذهب الرجال الحقيقيون إلى الحلول، وحين تضيق الخيارات، يستسلم البعض، بينما يبدأ أصحاب الخبرة في تقديم حلول جديدة، وحين تنتشر الشائعات، يفقد البعض توازنه، بينما يحافظ أصحاب المسؤولية على هدوئهم، لأن الذعر لا يدير المؤسسات.

وهنا تكمن قيمة صلاح عبدالكريم، لأن الهدوء عنده ليس صمتًا، بل أسلوب إدارة، وشدته ليست قسوة، بل حماية للمنظومة، والانشغال الدائم ليس استعراضًا، بل طبيعة موقع لا يسمح بالترف، ولعل أجمل ما فيه، أنه لا يشتكي، ولا يخرج كل يوم لتعدد ما يتحمله، ولا يطلب التعاطف ولا يبحث عن من يصفق له، بل يعتبر أن أداء الواجب أمر طبيعي، رغم أنه فوق طاقة كثيرين.

وهناك نوع من المسؤولين إذا غاب يومًا، تعطلت أمور كثيرة، ونوع آخر إذا حضر، استقامت الأمور دون أن يشعر الناس، وهذا هو أخطر وأهم أنواع القيادات، القيادات التي يصبح وجودها جزءًا من انتظام الحياة.

صلاح عبدالكريم، وفق ما يراه كثيرون داخل القطاع، من هذا النوع، رجل يعرف أن أي تأخير قد يربك منظومة كاملة، وأن أي خطأ صغير قد يمتد أثره إلى بعيد، وأن أي قرار غير محسوب قد تدفع ثمنه شركة أو مشروع أو سوق كاملة، ولذلك فإن الحذر عنده ضرورة والمتابعة ضرورة، والانضباط ضرورة والعمل الطويل ضرورة أيضاً.

وحين يعود الناس إلى بيوتهم، وتغلق المكاتب أبوابها، وتخفت الأصوات، يبقى هناك من يواصل التفكير في اليوم التالي، وفي الملف التالي، وفي الأزمة التالية قبل أن تقع، وحتى يبقى القطاع واقفًا وتبقى المصانع تعمل وتبقى الحقول تنتج وتبقى الشركات تتحرك وتبقى الدولة ماضية في طريقها، حتماً في الخلفية هناك رجل يواصل السهر والمتابعة، وذلك هو الرجل الآخر الذي لا يبحث عن الأضواء، لكنه يمنع انطفاءها، وذلك هو صلاح عبدالكريم، أحد الرجال الذين يختصرون معنى المسؤولية، ويثبتون أن البطولة الحقيقية ليست في الكلام، بل في أن تحمل الجبل فوق كتفيك دون شكوى.

إذاً هل السيناريوهات متشابهة؟
نعم، من حيث الجوهر، لا من حيث التفاصيل، ففي الفيلم، كان “الرجل الآخر” عنصرًا يغير المعادلات، ويكشف التفاصيل الهشة، ويؤثر في مصائر من حوله، وفي الواقع، هناك رجال لا يدخلون المشهد من باب الدراما، بل من باب الواجب، لكنهم أيضًا يغيرون المعادلات، ويحفظون التوازن، ويمنعون الاهتزاز .

صلاح عبدالكريم في هذا السياق يبدو قريبًا من الفكرة الرمزية للفيلم، فهو ليس الرجل الذي يبحث عن البطولة، بل الرجل الذي تفرض عليه الظروف أن يكون حاضرًا حين يتراجع الآخرون، وأن يتحمل ما لا يراه الناس، وأن يظل واقفًا في منطقة شديدة الحساسية بينما الجميع ينتظر النتائج.


في السينما، الرجل الآخر يدخل ليصنع التوتر والصراع، أما في الواقع، فالرجل الآخر الحقيقي يدخل ليمنع الصراع .

في الفيلم، وجود الرجل الآخر يربك العلاقات، أما في الواقع، فوجوده يضبط العلاقات بين أطراف متعددة، في الفيلم، الشخصية تتحرك وسط مشاعر متشابكة، أما في الواقع، فصلاح عبدالكريم يتحرك وسط أرقام متشابكة، وضغوط اقتصادية، وقرارات لا تحتمل الخطأ.

أين يلتقيان إذاً؟، يلتقيان في نقطة شديدة الأهمية: التأثير .
وأين يختلفان؟، الاختلاف كبير أيضًا، فالرجل الآخر في الدراما قد يكون جزءًا من الأزمة، أما الرجل الآخر في الواقع، فهو جزء من الحل، الرجل الآخر في الفيلم قد تحركه الرغبات، أما الرجل الآخر في الإدارة، فتحركه المسؤولية، الرجل الآخر في السينما ينتهي بانتهاء الأحداث، أما الرجل الآخر في الدولة، فتبدأ قصته كل صباح مع ملفات جديدة وتحديات جديدة.

وإذا أردنا كتابة نسخة واقعية من “الرجل الآخر” داخل قطاع البترول، فلن تكون قصة عاطفية، بل قصة رجل يجلس على مكتب مثقل، رجل يعرف أن قرارًا واحدًا قد يفتح بابًا أو يغلقه، وأن تأخيرًا صغيرًا قد يكلف كثيرًا، وأن الهدوء أحيانًا أهم من الكلام، وأن النجاح الحقيقي قد لا يراه أحد، لأنه ببساطة يعني أن الأمور استمرت دون أزمة.

نعم، السيناريوهات متشابهة من حيث الفكرة، وجود شخصية محورية تؤثر في الجميع، لكن الفرق أن صلاح عبدالكريم لا يؤدي دورًا درامياً تمثيلياً، بل دورًا واقعيًا يوميًا، في قطاع لا يسمح بالارتجال، ولا يرحم الخطأ، ولا يتحمل التردد، ولهذا، فإن بعض الرجال لا يحتاجون إلى شاشة سينما كي يصبحوا أبطالًا، لأن الواقع نفسه كتب لهم الدور الأصعب...ومن هنا، لابد من تحية الوزير كريم بدوي على هذا الإختيار .

🟥 #المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط