الجمعة 10 أبريل 2026 الموافق 22 شوال 1447

مجرد رأي: أمل طنطاوي..عندما يدفع حارس الأرقام من عمره ثمنًا

568
المستقبل اليوم

 

في هذا العالم الذي لا يعترف إلا بقوة الإقتصاد، تقف الأرقام كالقاضي الصامت، لا يميل لأحد، ولا يجامل أحد، ولا يُخطئ في حكم، وفي ظل هذا العالم الصارم، دائماً ما يقف المحاسب، خلف الستار، ممسكًا بخيوط التوازن، حارسًا للأرقام وساهرًا على استقرار المؤسسات والشركات والهيئات .

ومن يعي حقاً المحاسبة، يعرف أنها ليست أرقامًا تُجمع أو تُطرح، بل هي حالة من التيقظ الدائم، عقل لا يهدأ، وعين لا تغفل، وذاكرة تحفظ التفاصيل كأنها خرائط gps تعبر بك الطريق .

وغالباً، المحاسب لا يملك رفاهية الخطأ، لأن رقمًا واحدًا، قد يفتح باب الخسارة، أو يغلق شركة أو يهدم مؤسسة .

لكن ما لا يراه الناس، هو الثمن الذي يدفع، ساعات طويلة من التحديق في الأوراق والشاشات، وإجهاد يتسلل إلى العين دون استئذان، وتركيز يأكل العقل كما تأكل النار حطبها،وضغط مكبوت، لا يسمعه أحد، وهذا صراع يومي بين الدقة والوقت، وبين المسؤولية والخوف من الخطأ، وبين ما يجب أن يكون، وما قد يحدث إذا ما اختلت الأرقام .


ومع مرور الزمن، لا تتغير الأرقام فقط، بل يتغير صاحبها، يصبح أكثر دقة، وأكثر نحافة أيضاً، وأكثر حذرًا، وأكثر هزلاً، وأكثر ميلًا للنظام، وأكثر توتراً، لكنه فى المحصلة أشد قدرة على قراءة ما بين السطور، حتى أن البعض قد يراه شكًّا أو تشددًا،لكنه في عالم الأرقام، يسمونه "فطنة"، لا بديل عنها، لذا، فالمحاسب ليس مجرد موظف،بل خط الدفاع الأول عن المال، وعن استقرار المؤسسات، وعن ثقة غير ممنوحة، بل ثقة بنيت رقمًا رقمًا، كحائط بُني طوبة فوق طوبة.

ودائماً قطاع البترول، فى القلب، تتشابك الأرقام فيه مع القرارات، وتتداخل الحسابات مع أمن الطاقة وحياة الناس،وهنا تتجلى الصورة بأوضح معانيها، وهناك، تقف نماذج استثنائية،تحمل على عاتقها مسؤولية لا تحتمل التأجيل أو الخطأ.

وفي مقدمة هذه النماذج، يبرز دور المحاسبة أمل طنطاوي، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول للشؤون المالية،
أو قل (وزير مالية القطاع) التي تدير مع فريقها معادلة شديدة التعقيد، بين احتياجات السوق، وضغوط التمويل، والتزامات الدولة، وتحديات داخلية وخارجية، لا أول لها ولا أخر .

أمل طنطاوي، لا تدير أرقاماً فقط، بل تدير حياة كاملة لقطاعٍ بأكمله يعمل به أكثر من 300 ألف موظف، بل تدير حياة كل مصري يسير بسيارته، أو يجلس في بيته، أو يترجل على الأسفلت، أو يمتطي أي وسيلة، هي تعمل دون أن يراها أحد، لكن أثر عملها يتردد في كل موقع، وفي كل شركة، وفي كل بيت، تسابق الزمن لتوفير السيولة، لشراء الخام، وسداد مستحقات الشركاء، وتأمين المرتبات،وصرف الأرباح، وتوفير العلاج، وضمان استمرار عجلة الإنتاج دون توقف، لأن توقفها يعني توقف الحياة، هي النيل، لا يمكن أن يجف يوماً .

تواجه أمل معركة يومية لا تخرج للعلن،ومعادلات مالية لا تُحل إلا تحت ضغط، وقرارات تُتخذ في توقيتات حرجة، لا تحتمل التأجيل، ورغم ذلك،لا يظهر من المشهد إلا الأرقام في صورتها النهائية، دون أن يُرى الجهد الذي صاغها، ولا السهر الذي حرسها، ولا القلق الذي سبقها، ولا الصحة التي دُفعت من أجلها .


وهكذا هم المحاسبون، جنود في معركة صامتة، يُقاس نجاحهم حين لا يحدث شيء، وحين تظل الأمور مستقرة، كأنها لم تكن مهددة يومًا.

قد يبدو النجاح في عالمهم هادئًا، لكنه في الحقيقة مليئء بالضغوط، وقد تبدو الأرقام جامدة، لكن خلفها قلوبٌ تُجهد، وعقولٌ لا تنام، وعيون لا تغلق .

ويبقى السؤال: هل الأرقام بلا ثمن؟ أم أن من يحرسها يدفع من صحته وعمره كل يوم؟، نعم، فإن من يحرسها هو من يدفع الثمن .

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط