الثلاثاء 03 فبراير 2026 الموافق 15 شعبان 1447

مروه عطيه تكتب... أمرُ اللهِ نافذٌ… بين صبرٍ يُزكّي الروح، وضَجَرٍ يُثقِل القلب

128
المستقبل اليوم

في مسيرة الإنسان على هذه الأرض، تتبدّل الوجوه وتتغيّر الأحوال، وتتعاقب عليه لحظات النِّعمة كما تتعاقب عليه ساعات الضيق، غير أنّ الحقيقة الكبرى التي لا تتبدّل هي أن أمر الله نافذ، لا يعترضه اعتراض، ولا يوقفه تذمّر، ولا يبدّله رضا أو سخط.
يمضي قضاء الله في الكون كما تمضي الشمس في مدارها، ثابتًا في حكمته، بالغًا في عدله، بالغ العمق في أسراره. وبينما يسير هذا القضاء في طريقه المحتوم، يقف الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما:
إمّا أن يصبر… وإمّا أن يضجر.
الصبر ليس خضوعًا سلبيًا، ولا استسلامًا باردًا للوجع، بل هو ثبات داخلي، ومقاومة صامتة، وثقة عميقة في أن خلف كل مشقة حكمة، وخلف كل تأخير لطفًا مستترًا.
الصابر لا ينكر ألمه، ولا يدّعي أن الجرح غير موجود، لكنه يرفض أن يتحوّل الألم إلى سخط، أو أن يصير الوجع بابًا للاعتراض على الله.
الصبر هو أن تمسك قلبك بيديك حين يريد أن ينهار، وتقول له:
اهدأ… فالله يرى، والله يعلم، والله يدبّر.
وحين يصبر الإنسان، لا يغيّر مسار القضاء، لكنه يغيّر شكل الرحلة.
يمنح نفسه قدرة على الاحتمال، ويمنح روحه مساحة للبقاء حيّة وسط العاصفة.
أمّا الضجر، فهو أن تستقبل القضاء بسخط، وأن تواجه الأقدار بقبضات الغضب، وكأن الغضب قادر على إعادة الزمن إلى الوراء أو تبديل المشيئة.
الضجر لا يردّ قدرًا، ولا يؤخّر أمرًا، ولا يخفّف وجعًا.
بل يضيف إلى ثقل البلاء ثقلًا آخر، ويحمّل القلب ما لا طاقة له به.
وحين يضجر الإنسان، لا يخسر نعمة الرضا فقط، بل يعرّض قلبه للتآكل البطيء، إذ تتحوّل الشكوى إلى عادة، والاعتراض إلى أسلوب حياة، ويغيب عنه نور الحكمة الذي لا يزور القلوب الساخطة.
سواء صبرت أم ضجرت، رضيتَ أم اعترضت، فإن أمر الله ماضٍ في طريقه.
الفرق الحقيقي ليس في ما سيحدث، بل في كيف ستستقبله.
فالشكر لا يغيّر القدر، لكنه يغيّر الإنسان.
والضجر لا يوقف القدر، لكنه يكسِر الإنسان.
وهنا تتجلّى عظمة الاختيار:
ليس لك أن تختار الأحداث، لكن لك أن تختار موقفك منها.
بين الإيمان والاعتراض
الإيمان ليس ادّعاء الرضا في أوقات السعة فقط، بل هو القدرة على التمسك بالثقة حين تضيق السبل، وعلى تصديق حكمة الله حتى حين تعجز عن فهمها.
وقد يكون الابتلاء في صورته القاسية هو عين الرحمة في صورته الخفية، وقد يكون المنع بابًا لعطاء أعظم، والتأخير حماية، والفقد نجاة لا ندركها إلا بعد حين.
إن شَكرتَ… أُجِرت.
وإن ضجرتَ… خسرتَ سكينة القلب.
وفي الحالتين… أمر الله نافذ.
فاختر لنفسك الطريق الأخف،
واختر لقلبك السلام،
واجعل الشكر رفيقك،
ففي صحبته تُحتمل الأقدار،
وتُروَّض الأحزان،
وتُولد الطمأنينة.




تم نسخ الرابط