وائل عطية يكتب: الترقيع المحاسبي… عنوان يجب أن يؤرّق ضمير كل مسؤول
في خضم السجال الدائم الذي يميّز المشهد الاقتصادي المصري يبرز اسم الخبير الاقتصادي هاني توفيق كناقد جاد ومتابع دقيق لا يكتفي بتشخيص الظواهر، بل يضع يده في كثير من الأحيان على مواضع الخلل في إدارة الاقتصاد. ومن هذا المنطلق جاء تعليقه اللاذع على مقترح أحد رجال الأعمال بنقل ملكية أصول مملوكة للدولة تُقدَّر قيمتها بنحو ١٣ ألف مليار جنيه إلى البنك المركزي مقابل تحمّله سداد الديون المحلية للدولة.
لم يكن اعتراض توفيق فنياً بقدر ما كان كاشفًا لجوهر الإشكالية. فالبنوك المركزية في كل دول العالم دون استثناء لا تُنشأ لإدارة أصول عقارية أو صناعية، بل تقتصر وظيفتها على رسم السياسة النقدية وضبط السيولة وإدارة الاحتياطيات وقد ايده في ذلك هشام عز العرب رئيس البنك التجاري الدولي في تصريح لقناة العربية خلال مشاركته الحالية في منتدى دافوس. ومن هنا جاء توصيفه الصادم للمقترح باعتباره أشبه بنقل الأموال من الجيب الأيمن إلى الجيب الأيسر إذ تبقى الدولة مدينة بالقيمة ذاتها بينما يُحمَّل البنك المركزي عبئًا إضافيًا يتمثل في دفع فوائد للمودعين والمستثمرين الأجانب. والنتيجة انه لا حل حقيقي، بل إعادة ترتيب للأرقام على الورق.
الجملة الأهم في هذا السياق لم تكن في رفض الفكرة ذاتها، بل في توصيفها: ترقيع محاسبي. مصطلح موجع لكنه بالغ الدقة لأنه يلخص نهجًا إداريًا شائعًا تتقنه شريحة من المسؤولين الذين تنحصر مهاراتهم في التبرير واستكمال المستندات وتجميل الميزانيات بما يكفي لاجتياز مراجعة الجهاز المركزي للمحاسبات أو الجمعية العمومية ثم الاطمئنان إلى أن كل شيء تمام وتحت السيطرة.
الترقيع المحاسبي ليس اختراعًا جديدًا، بل ممارسة متجذّرة. أعرف ويعرف غيري، شركة استصلاح أراضٍ كانت تملأ السمع والبصر في ثمانينيات القرن الماضي إلى حد أن الرئيس الأسبق حسني مبارك افتتح بعض مشروعاتها الممولة بقروض أجنبية تحت شعار تحقيق الأمن الغذائي. اليوم، لم يعد للشركة نشاط إنتاجي يُذكر ومعظم عملها بات بيع الأراضي لتمويل المصروفات الإدارية ورواتب العاملين.
وفي نهاية كل عام تُعاد تقييم الأراضي بأسعار السوق فتخرج الميزانية (كسبانة) على الورق ومدعومة مستنديًا بينما الواقع يقول إن النشاط الحقيقي شبه متوقف.
وفي قطاع البترول تتكرر الصورة بصيغ مختلفة. شركات تعاني خسائر تشغيلية مزمنة فتقوم بتضخيم قيمة الأصول الرأسمالية الثابتة لتعويض عجز التدفقات النقدية الناتجة عن النشاط الأساسي أو إساءة طريقة توزيع التكلفة بين التشغيل ومصروفات التنمية لتقليل تكلفة البرميل شكليا وبالتالي يتحمل المستثمر الأجنبي تكلفة العجز عن طريق ترحيل استرداد النفقات لحين زيادة الإنتاج او ارتفاع أسعار بيع البترول الخام (قد يصبح حلم بعيد المنال في ظل تقادم الحقول المنتجة وتضخم تكلفة التشغيل).
أحيانًا تُدرج حصيلة بيع الخردة ضمن الإيرادات التشغيلية وكأن بيع مخلفات الإنتاج لا المنتجات هو ما يعكس صحة النشاط الصناعي. بل إن بعض الإدارات تذهب أبعد من ذلك فتؤجل الاعتراف بالخسائر عامًا بعد عام أو تعيد تصنيف المصروفات التشغيلية باعتبارها استثمارات مستقبلية لتخفيف وقع الخسارة.
ولا تنتهي هنا قائمة الأمثلة. شركات قامت بتسجِّل أرباحًا استثنائية ناتجة عن فروق إعادة تقييم العملة ثم قدمت هذه الأرباح وكأنها نجاح تشغيلي. جهات أخرى تبيع أصلًا مملوكًا للدولة لسد عجز مؤقت ثم تُسوَّق العملية باعتبارها (تحسنًا في الأداء المالي). هي كلها أشكال مختلفة لنهج واحد: معالجة الأزمة بالأرقام لا بالاقتصاد.
المشكلة الأعمق أن كثيرًا من القيادات الإدارية لا تسأل عن أصل الداء ولا تبحث عن حلول اقتصادية قائمة على التحليل العلمي والاحترافية. لا أحد يسأل: لماذا يخسر النشاط؟ هل المشكلة في هيكل التكلفة؟ في الإدارة؟ في السوق؟ في نموذج العمل؟ بدلًا من ذلك، يُفضَّل الطريق الأسهل: (فهلوة محاسبية) تُخفي العجز بدل معالجته.
أحيانًا يكون الحل أبسط مما تتصور الإدارة لو أُسندت الدراسة إلى أصحاب الخبرة الحقيقية.
أتذكر حالة لمشروع كانت قيمة عملياته لا تتجاوز ١٠ آلاف دولار بينما بلغت المصروفات الإدارية وحدها ١٣٠ ألف دولار. كمن يستأجر مقرًا بمساحة ألف متر مربع لإدارة شركة لا يتجاوز عدد موظفيها عشرة أو كمن يوظف مئة عامل في سوبر ماركت لا تتجاوز قيمة بضائعه ١٠٠ ألف جنيه. الخلل واضح لكن أحدًا لا يريد رؤيته.
الترقيع المحاسبي لا يصنع اقتصادًا ولا ينقذ شركات ولا يحل أزمات. هو فقط يؤجل الانفجار ويمنح إحساسًا زائفًا بالسيطرة. ولهذا فإن هذا المصطلح بكل قسوته يجب أن يبقى حاضرًا في وعي كل مسؤول ليس كوسيلة دفاع، بل كتحذير أخلاقي ومهني من أن الأرقام قد تكذب لكن الواقع لا يفعل.
*** الترقيعُ: لفظٌ عربيٌّ فصيح، مصدرُ الفعل رَقَعَ، ويُراد به في الأصل وصلُ الممزَّق وإصلاحُ الخلل بسدِّه أو خياطته. وقد وردت مادّة رَقَعَ في المعاجم العربية المعتبرة، كـلسان العرب والقاموس المحيط، بهذا المعنى الصريح. ثم اتّسع استعمال اللفظ فاستُخدم مجازًا للدلالة على الإصلاح الجزئي أو المؤقّت الذي لا يعالج أصل الخلل، وهو استعمالٌ صحيح من جهة اللغة، داخل في باب المجاز المألوف في العربية. وعليه، فإن لفظ «الترقيع» فصيحٌ من حيث الأصل والدلالة، وليس من ألفاظ العامية.