250 أغنية هي تراث عبدالحليم حافظ الذي خلفه ورأه ، ورغم مرور 42 عاماً على رحيله لايزال حياً بيننا ندندن بأغانيه ونحب ونعشق ونتعلم الوطنية من نغمات صوته .
في 30 مارس عام 1977 توفي عبدالحليم عبدالحافظ ، بعد رحلة مضنية مع المرض، فقد هاجمته البلهارسيا بشدة حتى أصبح أشهر المصابين بها، ولم يترك له مخرج للحياة، فقد أدى المرض للكثير من المضاعفات من تليف في الكبد ونزيف بالمعدة ومشكلات جاءت خلف بعضها على الرغم من محاولات التعامل معها، وانتهى الأمر كله بنزيف حاد لم ينج منه المطرب الذى ما زال يتربع على عرش الأغنية ، وما زال مطرب المصريين الأول حتى الآن رغم مرور 42 عاماً على رحيله.
في مذكرات طبيبه الدكتور هشام عيسى، يقول: منذ الصغر كان ينزل عبدالحليم الترعة بقرب من منزله كوسيلة للاغتسال وليس فقط للسباحة، حيث كانت تعيش دودة البلهارسيا وتنشر عدوتها ليلتقطها عبد الحليم وهو يقاسى حياة سيئة فى صغره.
استمر العندليب فى حياته وبدأ صعود سلم المجد، حيث خرجت موهبته للجميع، ولم يكن يعلم أنه مصاب إلا بعد القىء المتكرر المصحوب بالدم، عندها فقط علم بإصابته بالبلهارسيا وكان يعالج عن طريق حقنة في الوريد، تخلف الكثير من الآثار الجانبية التى تجعله فى حالة من الإجهاد والانزعاج بسبب حاجته للقىء والغثيان المستمر.
ومع الوقت أصيب بتليف كبدى من المرض، وكان هذا أول طريق المعاناة الحقيقية التى بدأت قبل وفاته بـ22 سنة، عندما كان يصور فيلمه "لحن الوفاة"، وغادر البلاد للعلاج فى لندن خاصة مع تزايد النزيف عليه، ثم عاد ليستكمل مسيرته وكان معه دائماً أكياس من الدم محفوظة فى منزله للتعامل مع حالته عند حدوث أى مشكلة أو نزيف، ولكنه فى مرة من المرات انتقل إليه فيروس خلال عملية نقل الدم، وهو ما زاد من وطأة الأمر عليه.
لم تكن مشكلة عبد الحليم فقط فى العلاج، ولكن أيضاً فى طريقة تناوله للطعام ونظامه الغذائى، حيث كتب له الأطباء على أطعمة معينة وكلها مسلوقة وخالية من أى نوع من التوابل، وهو ما حوله من لذة لعقوبة لكى يستمر على قيد الحياة، أما النزيف فكان رعبه الدائم خاصة خلال الغناء والنوم، فأصبح يخاف من مهاجمة المرض وإعاقته لحياته العملية والشخصية.
و خطوة بخطوة، مع عدم الاستسلام واليأس، سافر عبد الحليم لأمريكا لعله يجد شفاء لحالته، إلا أنه وجد عملية جراحية قد تفقده بعضاً من ذاكرته، كنوع من أنواع المضاعفات المحتملة، فرفض تماماً أن يجريها وإن كانت السبيل الوحيد أمامه، فهذا سيؤثر علي ذكرياته وكذلك فنه، وهو ما لا يقبل أبداً المخاطرة به.
ولعل من بين مشاهد مرضه الصعبة، إصابته بنزيف شديد فى الفجر بعد إحدى حفلاته بالمغرب عام 1972، وحجز على أثره أسبوعان بالمستشفى قبل أن يسافر باريس لتلقى العلاج، والذى انتهى بناء عليه بأنه أصبح أول مريض يحقن دوالى المرىء بمادة تمنع النزيف، لأنها كانت نتائج جديدة لبحث أجرى فى هذا الشأن.
وفي عام 1977 غادر عبد الحليم الحياة، وربما ما جعل المرض يسيطر على العندليب، ولا يتركه حتى وفاته هو تمكنه منه منذ اللحظة الأولى من اكتشاف الإصابة بالبلهارسيا، فقد تبين أنه مريض مع تكرار القىء المصحوب بالدم وكان قد اقترب من تليف الكبد وهو ما جعل العلاج أصعب من أى وقت آخر، وكذلك لم يكن وقتها العلاج متوفرا بشكل متطور وأفضل مثلما كان فى الوقت الذى أصيب فيه أحمد زكى حيث هاجمه المرض ثلاث مرات وكل مرة يتلقى العلاج ويحصل على الشفاء منه.
وقد غنى عبدالحليم حافظ 250 أغنية، لاقت جميعها النجاح داخل مصر وخارجها، وكتب ولحن له أفضل الشعراء والملحنين، وعاش حياته ما بين الحب والمرض والخيانة والشهرة ، ولعل أكثر الم عاني منه هو حبه لسعاد حسني ، والتي غنى لها "والله لسه حبيبي والله وحبيبي"و" فين راح الشوق من قلبه والرقة والحنية".
وقد غنى العندليب الأسمر "قد مات شهيداً يا ولدي..من مات فداءً للمحبوب " ،- ولم يكن يعلم أنه سيموت شهيداً، وأن بعض علماء الدين سيؤكدون ذلك.
وفي مذكرات الراحل جلال عامر سجل أنه ألتقى الشيخ الشعراوي، وسأله عن موت عبدالحليم، وهل يعتبر شهيداً لأنه مات مبطوناً أم لا، فأجابه الشيخ الشعراوي: من مات غرقاً أو حرقاً أو مات مبطوناً فهو شهيد، ورد عليه عامر: إذاً حليم مات شهيداً.
وفي عام ٢٠٠٤ أجريت أستطلاع لرأي علماء الدين في هذه المسألة، وتحدثت إلى الراحلين الدكتور عبدالصبور شاهين والدكتور عبدالمعطي بيومي، وكان وقتها رئيساً للجنة الدينية بمجلس الشعب، وأفتى بيومي بشهادة عبدالحليم لأنه مات بمرضٍ في البطن..أما الدكتور عبدالصبور شاهين فأفتى بعدم شهادته، وقال: إذا كان ذلك المغني مات شهيداً، فإنه يتساوى إذاً مع شهداء الحروب.
ومن يتفكر في أمور الدين جيداً، يجد أن رحمة الله شملت كل شيئ، وأنه لن يدخل الجنة أحد بعمله، ولولا لطف الله بنا وفضله لما دخل أحد الجنة، والرسول "ص" قال: لايدخل الجنة أحد بعمله، قالوا ولا أنت يارسول الله؟،-قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته.
والله أعلم بكل شيئ، ومن يدري ،فقد يكون بيننا وبين الجنة شِبر ونتفوه بكلمة ونكون من أصحاب النار، وقد يكون بيننا وبين النار ذراعا ويُحسن الله خاتمتنا بكلمة فنكون من أصحاب الجنة، فاللهم أحسن خاتمتنا في الأمور كلها...ورحم الله العندليب الأسمر وجعل مثواه الجنة كما اسعدنا بفنه وتراثه .