الأحد 08 نوفمبر 2026 الموافق 28 جمادى الأولى 1448

د.عزة سامي تكتب: من يتحكم في أولوياتنا؟ الحرب الناعمة.

67
المستقبل اليوم

 

ماذا لو استيقظت ذات يوم لتكتشف أن أولويات وقيم وأفكار جيل كامل قد تغيّرت، دون أن تُوجَّه إليه رصاصة أو يُحتلَّ شبر من أرضه؟ وماذا لو كانت المعركة الأخطر اليوم لا تُخاض على الحدود، بل داخل العقول؟ 
وفي هذا السياق يبرز ما يُعرف بالحرب الناعمة أو الغزو الفكري والثقافي، حيث لا يكون التأثير عبر القوة المباشرة، بل عبر الأفكار والرسائل والصور الذهنية. وهنا تبرز أهمية التساؤل: من يصنع هذا المحتوى؟ ولماذا؟ وما الذي يتركه في عقولنا؟
تخيّل أفرادًا في المجتمع قادرين على معرفة أدق تفاصيل حياة أحد المشاهير، لكنهم لا يعرفون اسم عالم مصري بارز أو حدثًا وطنيًا غيّر مسار بلادهم.

وفي إحدى الندوات خلال منتدى مصر 2026، تحدث أحد أساتذة الجامعات عن دهشته عندما اكتشف أن أحد الطلاب يفتقر إلى معرفة أساسية بأطراف حرب أكتوبر. قد يكون موقفًا فرديًا، لكنه يطرح سؤالًا مقلقًا: كيف يمكن لجيل أن يحمي مستقبل وطنه إذا كانت ذاكرته عن تاريخ بلده تتآكل؟

ورغم أن هذه الأمثلة تبدو متفرقة، فإنها قد تكون مؤشرات على تحولات أعمق في منظومة الاهتمامات والانتباه داخل المجتمع:
• صناعة القدوة على أساس الشهرة والربح السريع، لا الإنجاز والكفاءة.
• تضخيم النماذج الهامشية وتهميش النماذج الملهمة.
• اختراق الحصانة الفكرية للمجتمعات، ونشر قيم وأنماط ثقافية مغايرة.
• انتشار الشائعات والمعلومات المضللة.
• تغليب الاستهلاك على الإنتاج والإبداع.
فالحرب الناعمة لا تعمل دائمًا عبر رسائل مباشرة، بل تتحرك بطريقة أكثر هدوءًا، فتدس السم في العسل أحيانًا عبر محتوى يبدو بريئًا وجذابًا. وهذا ما يجعل بناء المناعة الفكرية ضرورة لا رفاهية.
وليس ذلك مجرد تصور نظري؛ ففي عام 2024 كشفت السلطات الأمريكية عن قضية أثارت اهتمامًا واسعًا، بعد اتهام شركة إعلامية أمريكية بأنها تلقت تمويلًا سريًا مرتبطًا بجهات تعمل لصالح الإعلام الروسي لإنتاج ونشر محتوى عبر مؤثرين معروفين على الإنترنت. وكان عدد من هؤلاء المؤثرين أنفسهم، بحسب ما أُعلن في القضية، غير مدركين لمصدر التمويل الحقيقي. وهنا تكمن خطورة العصر الرقمي.
ولعل دروس المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة تؤكد أن إضعاف الدول يبدأ أحيانًا من إضعاف الوعي المشترك والهوية الجامعة. فعندما تنجح خطابات الانقسام والاستقطاب في التسلل إلى المجتمع، يصبح الحفاظ على التماسك الوطني أكثر صعوبة، وتصبح الدولة أكثر عرضة للأزمات، مهما امتلكت من موارد أو قدرات.

فالحل والمواجهة لا يعنيان المنع، بل تقديم بدائل موازية جذابة ونافعة. فعندما تنجح برامج مثل العباقرة، ومصر تستطيع، وباب رزق، ودولة التلاوة، والكونتينر وغيرها، ندرك أن المعرفة يمكن أن تُقدَّم بصورة ممتعة وجاذبة.
ولا تقتصر هذه القضية على المجتمع بصورة عامة، بل تمتد إلى القطاعات الاستراتيجية أيضًا. ويمكن قراءة هذه القضية من زاوية قطاع البترول؛ فكما نحمي آبارنا وخزاناتنا ومواردنا، يجب أن نستثمر في حماية وتطوير العقول التي تديرها وتطورها. فتبنّي الابتكارات، وتشجيع البحث، واستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، ليس رفاهيةً إدارية، بل جزءٌ من الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة.
فالأوطان قد تتعافى من كثير من التحديات، لكن أخطر الخسائر هي تلك التي تصيب الوعي، لأن من يفقد وعيه قد يفقد القدرة على حماية أي شيء آخر.
إن قدَّرالله لنا في العمر بقية، فربما لنا في الحياة لقاء .....




تم نسخ الرابط