الأربعاء 16 سبتمبر 2026 الموافق 05 ربيع الثاني 1448

التاريخ السري لوكلاء الوزارة للغاز.. ولماذا أخفى الوزير هذا المنصب ؟

493
المستقبل اليوم

في أوقات الأزمات تظهر قيمة المناصب، بما تؤديه من أدوار. وربما يكون منصب وكيل أول وزارة البترول لشئون الغاز واحد من تلك المناصب التي يستحق تاريخها أن يستدعى من جديد، في وقت أصبح فيه الغاز الطبيعي أحد أكثر الملفات حساسية داخل مصر، لأن البلد تخوض حالياً معركة حقيقية لزيادة إنتاج الغاز، وتعويض التناقص الطبيعي في الحقول، والإسراع بوضع الآبار الجديدة على الإنتاج، بالتوازي مع تأمين احتياجات محطات الكهرباء والمصانع، وتوفير جانب من الاحتياجات عن طريق الاستيراد.

وسط كل هذه الملفات يطرح السؤال نفسه: ألا يحتاج الغاز اليوم إلى وكيل وزارة متخصص كما كان الحال في مراحل سابقة؟
هذا السؤال لا يتعلق باستحداث منصب بقدر ما يتعلق بوجود مسئول داخل ديوان الوزارة يحمل ملف الغاز بصورة كاملة، ويكون حلقة الوصل المباشرة بين الوزير والشركة القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وجاسكو وشركات الإنتاج والشركاء الأجانب، فضلاً عن وزارتي الكهرباء والصناعة والجهات الأخرى المستهلكة للغاز.


العودة إلى تاريخ وزارة البترول تكشف أن منصب وكيل الوزارة لشئون الغاز لم يكن منصب هامشي، وإنما تولاه عدد من أبرز قيادات القطاع، وبعضهم انتقل بعد ذلك إلى مواقع شديدة الأهمية.

ومن الأسماء التي ارتبطت بهذا الموقع المهندس شريف إسماعيل، الذي تولى مسئولية شئون الغاز بالوزارة في بداية الألفية الجديدة، قبل انتقاله عام 2005 لرئاسة الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس»، ثم توليه بعد ذلك رئاسة جنوب الوادي، وبعد ذلك وزارة البترول، وصولاً إلى رئاسة مجلس الوزراء.

وكانت تلك المرحلة تحديداً هي مرحلة بناء وتوسع كبير في صناعة الغاز، سواء في البنية الأساسية أو مشروعات الإسالة أو التصدير أو زيادة الاعتماد على الغاز داخل السوق المحلية.

ثم نجد اسماً آخر مهمًا هو المهندس هاني سليمان، الذي شغل منصب وكيل أول وزارة البترول لشئون الغاز الطبيعي، ففي سبتمبر 2006 كان يتحدث بهذه الصفة عن توسع شركات الخدمات البترولية المصرية في الخارج.

وبعده جاء المهندس إسماعيل كرارة، أحد الأسماء البارزة في صناعة الغاز المصرية، والذي انتقل من رئاسة شركة جاسكو إلى منصب وكيل أول وزارة البترول لشئون الغاز، وقد جاء تعيينه خلفًا لهاني سليمان، الذي انتقل بدوره إلى رئاسة الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات.

كما كان حاضرًا في ملف شديد الحساسية وقتها، وهو مراجعة أسعار وعقود الغاز، إلى جانب مشروعات توصيل الغاز للمنازل والمصانع.

وعندما نتحدث عن تاريخ هذا المنصب، فلا يمكن بأي حال تجاوز المهندس طارق الحديدي، فالحديدي شغل منصب وكيل أول وزارة البترول لشئون الغاز في مرحلة شديدة الحساسية، وارتبط اسمه بملفات لم تختلف كثيرًا في طبيعتها عن التحديات التي تواجه القطاع حاليًا.

في يناير 2010، كان الحديدي يتحدث بصفته وكيل أول وزارة البترول لشئون الغاز عن منظومة توصيل الغاز للمصانع، مؤكدًا وجود عدة شركات تعمل في النشاط وأن الوزارة تضع قوائم بالأسعار لتحقيق الشفافية. 
وفي العام نفسه كان الرجل في قلب ملف توفير الغاز لمحطات الكهرباء، إذ أعلن أن قطاع البترول استجاب لطلبات الكهرباء للحصول على كميات إضافية من الغاز لمواجهة احتياجات المواطنين والأحمال.

ثم جاءت أحداث 2011 لتضع ملف الغاز أمام تحديات جديدة، وكان الحديدي حاضرً أيضًا، حيث شارك في مباحثات مراجعة أسعار توريد الغاز للأردن، وهي فترة كان فيها ملف تصدير الغاز وتسعيره من أكثر الملفات الاقتصادية والسياسية حساسية.

وفي نوفمبر من العام نفسه رافق وزير البترول إلى منتدى الغاز في قطر بصفته وكيل أول الوزارة لشئون الغاز، وظل الحديدي في موقعه خلال مرحلة شهدت ضغوطًا متزايدة على منظومة الطاقة، وفي يناير 2013 تحدث عن تعديل سعر الغاز المورد لمحطات الكهرباء في إطار معالجة التشابكات المالية بين قطاعي البترول والكهرباء.

ثم انتقل الحديدي بعد ذلك إلى مواقع أخرى، وصولًا إلى رئاسة شركة ميدتاب، قبل أن يتم اختياره في أبريل 2016 رئيس تنفيذي للهيئة المصرية العامة للبترول.

وتجربة طارق الحديدي تحديدًا تكشف بوضوح لماذا كان لهذا المنصب أهميته، فقد كان وكيل الوزارة للغاز موجودًا عند نقطة الالتقاء بين الإنتاج والاستهلاك والكهرباء والتسعير والتصدير والسياسة العامة للدولة.

ثم يأتي اسم الدكتور شريف سوسة، الذي تولى منصب وكيل أول وزارة البترول لشئون الغاز خلال واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها منظومة الطاقة المصرية، وفي عام 2014، ظهر سوسة ممثلًا لوزير البترول في مؤتمر للطاقة، وتحدث بصفته وكيل أول الوزارة لشئون الغاز عن احتياجات الطاقة واستغلال الموارد ومراجعة موقف آبار الغاز غير التقليدي، وكانت تلك الفترة مختلفة تمامًا عن سنوات الوفرة؛ فقد كانت مصر تواجه تحديات في توفير الغاز للسوق المحلية، وخاصة لمحطات الكهرباء، وأصبح البحث عن موارد جديدة وزيادة الإنتاج من القضايا الملحة، وظل سوسة في موقعه حتى أبريل 2016، عندما أصدر وزير البترول طارق الملا قرارًا بتعيينه رئيسًا لشركة جنوب الوادي القابضة للبترول.


ومع خروج شريف سوسة، دخل الملف مرحلة جديدة، وبرز فيها المهندس محمد مؤنس وكيل أول وزارة البترول لشئون الغاز، وتزامنت فترة مؤنس مع واحدة من أهم التحولات في تاريخ الغاز المصري الحديث، وهي الإسراع بتنمية الاكتشافات الجديدة وعلى رأسها حقل ظهر، إلى جانب تنمية حقول دلتا النيل والبحر المتوسط.

وفي يناير 2017 كان مؤنس حاضرًا مع وزير البترول ورئيس إيجاس في مباحثات مع شركة دانة غاز لمتابعة حفر الآبار الجديدة ووضعها على الإنتاج وزيادة إنتاج الغاز من حقول دلتا النيل، واستمر ظهوره بصفته وكيل أول الوزارة لشئون الغاز خلال 2018، بما يؤكد استمرار وجود الموقع في الهيكل التنظيمي للقطاع خلال تلك المرحلة.

وهكذا فإن تاريخ المنصب يضم أسماء ثقيلة في صناعة البترول المصرية: شريف إسماعيل، وهاني سليمان، وإسماعيل كرارة، وطارق الحديدي، وشريف سوسة، ومحمد مؤنس، وهي أسماء تكفي وحدها لتوضيح المكانة التي كان يحتلها هذا الموقع داخل الوزارة.

هنا نصل إلى السؤال الأهم: لماذا يصبح التفكير في إعادة وجود وكيل وزارة متخصص للغاز أمرًا يستحق الطرح الآن؟
والإجابة ببساطة أن ملف الغاز أصبح أكبر من مجرد نشاط عادي.
هناك إنتاج محلي يجب زيادته، وحقول تعاني التناقص الطبيعي، وآبار جديدة يجب الإسراع بحفرها وربطها، وشركات عالمية تحتاج الوزارة إلى تشجيعها على ضخ استثمارات جديدة.

وهناك في الاتجاه الآخر استهلاك ضخم لمحطات الكهرباء، واستهلاك صناعي، ومصانع أسمدة وبتروكيماويات، وشبكة قومية يجب الحفاظ على ضغوطها واستقرارها على مدار الساعة.
وهناك أيضًا الغاز المستورد، وسفن التغييز، ومحطات الإسالة، والعقود والاتفاقيات، والربط الإقليمي، وحساب التكلفة الاقتصادية لكل قدم مكعب يتم إنتاجه أو استيراده أو توجيهه إلى نشاط معين.

أي أننا لا نتحدث عن ملف واحد، وإنما عن منظومة كاملة تبدأ من البئر وتنتهي بمحطة الكهرباء أو المصنع أو المستهلك.

وقد يقول قائل: إيجاس موجودة..فلماذا وكيل وزارة؟
وقد يكون السؤال المنطقي: إذا كانت لدينا شركة قابضة للغازات الطبيعية، فلماذا نحتاج إلى وكيل وزارة للغاز؟والإجابة يقدمها التاريخ نفسه.

لقد كان منصب وكيل أول الوزارة لشئون الغاز موجودًا في الوقت نفسه الذي كانت فيه «إيجاس» موجودة وتعمل، وكان لكل منهما دوره.
إيجاس كيان تنفيذي واستثماري وفني يدير جانبًا كبيرًا من نشاط الغاز، بينما وكيل الوزارة يمثل المستوى الوزاري والسياسي للملف، بل إن اجتماعات عديدة لوزراء البترول في السابق كانت تضم رئيس «إيجاس» ووكيل أول الوزارة لشئون الغاز معًا، وهو ما يؤكد أن وجود الاثنين لم يكن ازدواجًا في الاختصاص، وإنما تكامل بين التنفيذ والإشراف الوزاري.

والدليل واضح في يناير 2017، عندما اجتمع وزير البترول مع «دانة غاز» بحضور محمد مؤنس وكيل أول الوزارة لشئون الغاز، ومحمد المصري رئيس إيجاس، وطارق الحديدي رئيس هيئة البترول. ثلاثة مواقع مختلفة، ولكل منها دوره.

يا سادة، الوزير لا يجب أن يحمل كل الملفات بنفسه، والمتابعة المباشرة من الوزير لملف الغاز أمر مفهوم في ظل أهميته، لكنها لا تلغي الحاجة إلى مستوى قيادي متخصص داخل الديوان.
فالوزير مسئول عن البترول والغاز والتكرير والبتروكيماويات والثروة المعدنية والسلامة والاستثمار والاتفاقيات والعلاقات الدولية وعشرات الشركات والهيئات.
ومن الصعب أن يتحول الوزير نفسه إلى غرفة العمليات اليومية لكل هذه الملفات.

هنا تأتي فلسفة وكيل الوزارة للغاز، شخص يمتلك الخبرة الفنية والاقتصادية، يتابع بصورة يومية ما يدخل الشبكة وما يخرج منها، معدلات الإنتاج، خطط الآبار، احتياجات الكهرباء، موقف المصانع، كميات الاستيراد، سفن التغييز، خطط إيجاس، والتزامات الشركات الأجنبية، ثم يضع كل ذلك في صورة واحدة أمام الوزير لاتخاذ القرار.

التاريخ يعيد طرح السؤال

المفارقة أن مصر عندما كانت تبني صناعة الغاز وتحقق اكتشافات وتوسع كبير، كان لديها وكيل وزارة متخصص للغاز، وعندما مرت بأزمات إمدادات، كان لديها أيضًا وكيل وزارة للغاز، وعندما بدأت مرحلة الاكتشافات الكبرى وحقل ظهر، ظل المنصب موجود.
واليوم، بينما أصبح هدف زيادة إنتاج الغاز وخفض فاتورة الاستيراد وتأمين احتياجات الكهرباء والصناعة في مقدمة أولويات قطاع البترول، فإن السؤال عن أهمية وجود مسئول وزاري متفرغ لهذا الملف يصبح ضروري أكثر من أي وقت مضى.

المسألة ليست عودة إلى الماضي لمجرد أن المنصب كان موجود، بل ربما تكون الاستفادة من الماضي هي التي تفرض السؤال.

لقد مر على كرسي الغاز في الوزارة رجال أصبح بعضهم بعد ذلك رؤساء لـ«إيجاس» وهيئة البترول وشركات قابضة ووزراء، بل وصل شريف إسماعيل إلى رئاسة مجلس الوزراء، وهذا يعني أن المنصب نفسه كان مدرسة لإدارة أحد أعقد ملفات الدولة.

وفي ظل ما يواجهه قطاع الغاز اليوم من تحديات، ربما يكون من المناسب إعادة النظر في وجود وكيل أول لوزارة البترول لشئون الغاز، بصلاحيات واضحة ومسئولية مباشرة عن التنسيق والمتابعة، فالغاز لم يعد مجرد نشاط داخل قطاع البترول.
الغاز اليوم كهرباء وصناعة واستثمار وعملة صعبة وأمن طاقة، وعندما يصبح الملف بهذا الحجم، يصبح من المنطقي أن يكون له مسئول داخل الوزارة يحمل اسمه ويتحمل مسئوليته.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط