الأحد 13 سبتمبر 2026 الموافق 02 ربيع الثاني 1448

هل وضع ناصر شاهين يده في عش الدبابير ؟

222
المستقبل اليوم

لم ينتظر المهندس ناصر شاهين طويلاً حتى يعرف الناس أنه جاء إلى فوسفات مصر بطريقة مختلفة، فمنذ البداية، لم يكن الرجل يريد أن يتعرف على الشركة من داخل مكتب رئيس مجلس الإدارة، ولا من خلال التقارير التي تصل إليه والمكتوبة بعناية، وإنما اختار الطريق الأصعب والأقصر في الوقت نفسه: أن يذهب بنفسه إلى المواقع، وأن يرى الناس ويسمع منهم، وأن يعرف الشركة من الأرض وليس من الورق.

وفي أولى جولاته التفقدية المعلنة بموقع الشركة الإنتاجي في هضبة أبو طرطور بالوادي الجديد، لم تكن زيارته مجرد بروتوكول لرئيس شركة جديد، لكن المتابع يرى أنه عقد اجتماعاً موسعًا مع قيادات الموقع، واستمع إلى عرض الإدارات ومقترحاتها، وانتهت الجولة بخمسة قرارات تنفيذية لتطوير منظومة العمل، من بينها إعادة توزيع العمالة وفق الاحتياجات الفعلية وسد العجز في بعض الإدارات.

وهنا بدأت الحكاية، ناصر شاهين لم يذهب إلى العاملين لأن هناك أزمة أجبرته على ذلك، ولم يفتح بابه بعدما ارتفعت أصوات الشكاوى، وإنما كان التواصل والنزول إلى المواقع من البدايات الأولى لطريقته في إدارة الشركة، ولهذا يصبح من الإنصاف، ونحن نتابع ما يثار حالياً حول فوسفات مصر، أن نقول للرجل ما له قبل أن نقول ما عليه، لكن لابد من وصفه، بأنه الرئيس الذي ذهب إلى الناس.

وليعلم الجميع، أنه داخل أي شركة، يستطيع رئيس مجلس الإدارة أن يعيش سنوات كاملة أسيراً للتقارير والاجتماعات والعروض، وقد شاهدنا ذلك ونشاهده كثيراً، كل شيء أمامه يبدو منظم، والأرقام موجودة، والمشكلات لها إجابات، والاجتماعات تنتهي بعبارة تمام يا فندم،  لكن الحقيقة في شركات التعدين تحديداً ليست كلها في المقر الرئيسي، الحقيقة موجودة في المنجم، وفي الموقع، ومع العامل الذي يقضي ساعات طويلة بعيداً عن القاهرة، ومع المهندس الذي يعرف مشكلة ربما لا تجد طريقها إلى مكتب رئيس الشركة، وناصر شاهين يفهم جيداًهذه المعادلة، لأنه أحد أبناء التعدين ويعرف الصناعة جيداً، الرجل ذهب إلى المواقع، وجلس مع الناس، واستمع إليهم، وبدأ في إعادة بناء علاقة مباشرة بين رأس الشركة وقاعدتها العمالية.

وبحسب ما ينقله عاملون داخل الشركة، أعاد الرجل إلى الأذهان نمطاً من التواصل المباشر ارتبط لديهم بفترة المحاسب خالد الغزالي، بعد سنوات شعر خلالها البعض باتساع المسافة بين العاملين والإدارة العليا.

لقد كان غريباً أن نقرأ بعد ذلك عن لجوء بعض العاملين إلى وسيط برلماني حتى تصل مطالبهم إلى رئيس الشركة، ليس لأن الاستعانة بنائب برلماني خطأ، فهي وسيلة مشروعة، وليس لأن العامل ليست له مطالب أو شكاوى، فهذا حقه الكامل، لكن السؤال ببساطة: لماذا نبحث عن طريق غير مباشر إلى رجل اختار بنفسه الطريق المباشر إلى العاملين؟ وهل وضع شاهين يده في عش الدبابير؟

هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في الحكاية، فأي رئيس جديد لا يرث شركة فقط، إنه يرث تاريخ كامل، يرث نجاحات، وإخفاقات، وقرارات، وعلاقات، ومصالح، ومجموعات عمل، ومشكلات مؤجلة، وأوضاع استقرت بمرور الزمن حتى أصبح تغييرها أصعب من استمرارها، وعندما يبدأ الرئيس الجديد في تحريك هذه الملفات، فمن الطبيعي أن تتحرك معه مصالح أخرى.

ومن هنا يبرز السؤال: هل وضع ناصر شاهين يده في عش الدبابير؟، لا نستطيع أن نجزم بأن كل انتقاد يوجه للرجل تحركه مصالح قديمة، كما لا يجوز أن نصف كل صاحب شكوى بأنه جزء من حملة منظمة، لكن من حقنا أن نتساءل، خاصةً عندما نرى رئيساً يتحرك في الملفات منذ بداياته، ويصدر قرارات لإعادة تنظيم العمل وتوزيع العمالة وفق الاحتياجات الفعلية، ويتابع مشروع حامض الفوسفوريك، بينما تتحرك الشركة كذلك في ملفات رفع جودة الخام وتعظيم القيمة المضافة والتوسع في الصناعات المرتبطة بالفوسفات، فهل أزعجت هذه التحركات البعض؟ وهل اقترب الرجل من مناطق كان الاقتراب منها غير مرغوب فيه؟ وهل هناك من اعتاد أوضاع سابقة ويريد الاحتفاظ بها؟ أم أن كل ما يحدث لا يتجاوز مطالب عمالية طبيعية هذا إن وجدت؟ الإجابة تحتاج إلى دلائل، ولا يجوز أن نوزع الاتهامات دونها.

ولكي ننصف ناصر شاهين أكثر، يجب أن نتذكر أنه لم يتسلم شركة صغيرة بلا تاريخ أو مشروعات، فوسفات مصر كانت، عند تسلمه المسؤولية، تتصدر السوق المصرية في إنتاج ومبيعات الفوسفات بحصة معلنة أكثر من 40%، وكان إنتاجها قد بلغ 4.02 مليون طن، إلى جانب ملفات ضخمة لمشروعات القيمة المضافة، في مقدمتها مشروع حامض الفوسفوريك ومشروع مجمع الأسمدة الفوسفاتية المخطط له في السخنة، أي أن الرجل دخل إلى شركة تحمل فوق مكتب رئيسها ملفات بمئات الملايين من الدولارات، وعمالة ومواقع إنتاج ومشروعات مستقبلية وشركاء ومستثمرين.

وفي أغسطس الماضي، شارك شاهين في محطة مهمة بوضع حجر أساس مشروع حامض الفوسفوريك بهضبة أبو طرطور، وهو مشروع تصل استثماراته المعلنة إلى 658 مليون دولار.
كما تحركت الشركة في عهده في اتجاه آخر يتجاوز الإنتاج المباشر، من خلال المشاركة في إنشاء مدرسة فوسفات مصر الدولية للتكنولوجيا التطبيقية بالوادي الجديد، في محاولة لربط النشاط الصناعي والتعديني بإعداد كوادر فنية للمستقبل، إذن نحن لسنا أمام رئيس يجلس منتظراً مرور الأيام، بل هناك حركة على الأرض.
وقد نختلف حول سرعة الحركة أو بعض قراراتها، لكن لا يمكن إنكار وجودها.

وهنا يجب أن نقول شيئً ربما يكون أهم من الدفاع عن ناصر شاهين نفسه،،،عمال فوسفات مصر ليسوا جنود في معركة أحد، وإذا كان هناك بالفعل أصحاب مصالح تضررت من التغيير، فلا ينبغي أن يتحول العامل إلى ذراع يستخدمونها في معركتهم، وفي المقابل، لا ينبغي للإدارة أن تعتبر كل شكوى مؤامرة، ولا كل معترض صاحب مصلحة، العامل صاحب الحق يجب أن يأخذ حقه، وصاحب المظلمة يجب أن يسمعه رئيس الشركة، وصاحب الفكرة الجيدة يجب أن يجد باب يدخل منه، والميزة التي بدأ بها ناصر شاهين تجربته هي أنه فتح هذا الباب بالفعل.

لسنا هنا بصدد منح صكوك النجاح لأحد، فالنجاح الحقيقي لرئيس الشركة لا تحدده المقالات، وإنما تحدده النتائج عندما يأتي وقت الحساب، لكن الصحافة العادلة أيضاً لا تنتظر سقوط المسؤول حتى تتحدث عنه، ولا تنتظر رحيله حتى تكتشف أنه فعل أشياء جيدة، والإنصاف يفرض علينا أن نسجل لناصر شاهين أنه اختار منذ البداية أن يذهب إلى الناس بدلاً من أن ينتظر الناس أمام مكتبه، وأن زيارات المواقع لم تكن مجرد عنوان، فأولى جولاته المعلنة في أبو طرطور خرجت بقرارات تنفيذية مرتبطة بالعمل والعمال والإنتاج، وأن الرجل تحرك في وقت تتجه فيه فوسفات مصر إلى مرحلة مختلفة، عنوانها ليس فقط استخراج الخام وبيعه، وإنما تعظيم قيمته وتحويله إلى صناعات ومنتجات تحقق عائد أكبر للدولة.

نعم، قد يخطئ ناصر شاهين، وقد نصبح نحن أنفسنا أول من ينتقده عندما يخطئ، لكننا عندما نجد مسؤول ينزل إلى المواقع، ويلتقي العاملين، ويسمع الناس، ويحاول تحريك الملفات، فمن واجبنا أيضاً ألا نترك الصوت العالي يمحو هذه الصورة، بل نقول للجميع: اتركوا الرجل يعمل ثم وحاسبوه، لأن ناصر شاهين لا يحتاج إلى من يدافع عنه، ما يحتاجه هو الوقت الكافي ليقدم كشف حسابه، والعاملون لا يحتاجون إلى وسيط دائم بينهم وبين رئيسهم، طالما أن رئيسهم مستعد للجلوس معهم، وأصحاب المصالح، إن كانوا موجودين بالفعل، لن يهزمهم مقال، وإنما تهزمهم الشفافية والقرارات العادلة والنتائج.

لهذا نقول لناصر شاهين:استمر في النزول إلى المواقع، واستمر في الجلوس مع العاملين، واسمع من ينتقدك قبل من يمدحك، وافتح الملفات القديمة، لكن افتحها بالقانون والدلائل، وإذا كنت قد وضعت يدك فعلًا في عش الدبابير، فلا تسحبها خوفًا من أحد.

وفي النهاية، نحن لا نطلب حصانة لرئيس فوسفات مصر من النقد، ولا نمنحه شهادة نجاح قبل انتهاء الامتحان، كل ما نطلبه هو شيء واحد:أن نترك الرجل يعمل، ثم نحاسبه على ما فعل، وليس على مقدار صوت أصحاب المصالح، ونحن معه ضد أي هجمة شرسة، لله وللوطن.

#المستقبلالبترولي #بترومصر_نيوز




تم نسخ الرابط