الخميس 10 سبتمبر 2026 الموافق 28 ربيع الأول 1448

د جمال القليوبي يكتب : من يتحكم في سياسة أسواق النفط الاوسطية !

93
المستقبل اليوم

لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة صراع سياسي وعسكري تقليدي، بل تحوّل إلى بؤرة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد العالمي بأكمله، فالمنطقة التي تضم أهم ممرين مائيين في العالم لنقل الطاقة، مضيق هرمز وباب المندب، باتت اليوم أكثر بقاع الكوكب اضطرابًا، بفعل حرب استنزاف طويلة الأمد تديرها الولايات المتحدة عبر ضرب الناقلات النفطية الإيرانية، في مقابل ردود فعل متصاعدة من الحرس الثوري الإيراني الذي وسّع دائرة استهدافه لتشمل سفنًا تابعة لحلفاء أوروبيين، بل وامتد الأمر إلى استهداف وحدات من الأسطول الأمريكي نفسه في مياه الخليج وبحر عُمان. 
هذه الدائرة من الضربات المتبادلة، التي تتكرر بوتيرة شبه يومية منذ أشهر، حوّلت المضيق من ممر تجاري إلى خط جبهة عسكري بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، مضيق شبه مغلق وسلاسل إمداد مضطربة
ولذا النتيجة المباشرة لهذا التصعيد كانت شبه إغلاق لمضيق هرمز، الممر الذي كان يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية قبل اندلاع هذه الموجة من المواجهات التي شهدت تراجع حاد في حركة الناقلات عبر المضيق أربك سلاسل الإمداد العالمية، وأدى إلى نقص فعلي في المعروض أمام أسواق ما زالت تحتاج إلى الكميات ذاتها من التعاقدات، وإن لم تكن أكثر. 
ووجدت شركات الشحن والتأمين نفسها أمام مخاطر تشغيلية غير مسبوقة، ما دفع بعض المصدرين الخليجيين إلى تحويل جزء من صادراتهم نحو موانئ بديلة على البحر الأحمر، في محاولة للالتفاف على عنق الزجاجة، لكن دون أن يعوّض ذلك الفجوة الكبيرة في الطاقة الاستيعابية للممر الأصلي. 
مالبس ان دخل لمسرح عمليات الاستنزاف العسكري في الشرق الأوسط احد اهم اذرع ايران وهم الحوثيين الذين بدأوا بضرب الناقلات السعودية ثم استهداف ٤ مدن سعودية وضرب البنية الأخيرة النفطية فيها مما احدث خلالا واضحا في إصدارات النفط السعودي من ضرب ناقلات وتدمير مواني نفطية الي عرقلة حرة الملاحه وتعطل الكثير من الناقلات في البحر الأحمر مما ادي الي تاخير سلاسل الإمدادات البديله وتعطش اكثر لأسواق النفط .

يضاف إلى ذلك ايضا معضلة اخري إلا وهي معضلة العرض المتراجع الذي يمثله عامل موسمي وآخر سياسي بامتياز؛ فمع اقتراب فصل الشتاء، يرتفع الطلب العالمي تقليديًا لبناء المخزونات الاستهلاكية، بينما تجد عدة دول صناعية كبرى نفسها ملزمة بالإسراع في الشراء لسد عجز واضح في احتياطياتها الاستراتيجية التي استُنزف جزء منها خلال الأشهر الماضية من الأزمة. هذا التزامن بين موسم يفرض شراءً إضافيًا، والتزامات استراتيجية تحتّم تعبئة سريعة للمخزون، يضغط على الأسعار من اتجاهين في آن واحد: طلب فعلي متصاعد، وطلب احترازي يضاعف من حدة المنافسة على الكميات المتاحة أصلًا.
فجوة بين الإنتاج العالمي والاستهلاك الفعلي
أما على مستوى الطاقة الإنتاجية العالمية، فتشير التقديرات إلى أن سقف الإنتاج الفعلي يتراوح بين نحو 96 و98 مليون برميل يوميًا، في حين تتحدث تقارير مؤسسات الطاقة الدولية عن فجوة في المعروض قد تصل، وفق بعض التقديرات، إلى ما بين ستة وأحد عشر مليون برميل يوميًا، وهي فجوة ضخمة إذا ما قورنت بأزمات العرض التي شهدتها الأسواق في العقدين الأخيرين. استمرار هذا النقص، إلى جانب حركة الشراء المتسارعة من الدول الصناعية والمستوردين الكبار في آسيا الساعين لتعويض مخزوناتهم، هو ما يرفع سقف الأسعار يومًا بعد آخر، ويجعل من الصعب التكهن بمستوى استقرار قريب.
بالفعل، تجاوزت أسعار خام برنت مستوى المئة دولار للبرميل في الأسابيع الأخيرة مع كل موجة تصعيد جديدة في المواجهات، بعدما كانت تتحرك في نطاق أدنى بكثير قبل اندلاع هذه الحرب. ومع كل عملية استهداف لناقلات أو سفن في المضيق، تسجل الأسواق قفزات سريعة تعكس هشاشة الثقة أكثر مما تعكس معطيات العرض والطلب الفعلية وحدها.
نحو عتبة الـ110 دولارًا.. سيناريو مرجّح لا مستبعد
في ظل استمرار العناد الأمريكي في مواصلة الضربات ضد الأهداف الإيرانية، وتشديد العقوبات على كل من يتعامل مع المنظومة المالية الإيرانية، يصبح تجاوز حاجز 110 دولارات للبرميل سيناريو مرجّحًا وليس مجرد احتمال بعيد، خاصة إذا لم تفضِ أي جولة تفاوضية مقبلة إلى نتائج ملموسة بشأن حرية الملاحة في المضيق. والأخطر من ذلك أن استمرار سبب الأزمة، أي الحرب نفسها، يعني عمليًا غياب أي أفق حقيقي لتنشيط الاقتصادات الإقليمية المتضررة، سواء تلك المصدّرة للنفط التي تعاني من تراجع حجم صادراتها الفعلية رغم ارتفاع الأسعار الدفترية، أو تلك المستوردة التي تتحمل فاتورة طاقة متصاعدة تنعكس مباشرة على معدلات التضخم المحلية.
الجبهة الأوكرانية.. عامل ضغط إضافي على أوبك بلس
لا يمكن فصل هذا المشهد عن جبهة أخرى بعيدة جغرافيًا لكنها متصلة بالسوق ذاتها، وهي استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وسط ما يمكن وصفه بتشجيع أوروبي وأمريكي ضمني لاستمرار كييف في توسيع نطاق استهدافها ليشمل منشآت حيوية ومدنية روسية، بما فيها بنية تحتية نفطية. هذا التصعيد المتكرر يضرب من حين لآخر قدرة موسكو، القوة الرئيسية داخل تحالف أوبك بلس، على الحفاظ على مستويات إنتاجها وتصديرها المعتادة، ما يضيف طبقة أخرى من التقييد على المعروض العالمي في وقت تحتاج فيه الأسواق إلى مرونة إنتاجية لا إلى مزيد من الانكماش.

بين مضيقين يشكلان شريان الطاقة العالمي، وحربي استنزاف متوازيتين في الخليج وأوكرانيا، تتشكل اليوم ملامح سياسة أسعار نفطية لا تحكمها آليات السوق التقليدية من عرض وطلب بقدر ما تحكمها حسابات الصراع والعقوبات والردع المتبادل. وطالما بقيت أسباب هذه الحرب قائمة، فإن الحديث عن استقرار حقيقي في أسواق الطاقة، أو عن انتعاش اقتصادي منشود لمنطقة الشرق الأوسط، سيظل حديثًا سابقًا لأوانه، وربما ينتظر ما هو أبعد من مجرد هدنة موقتة أو تفاهم جزئي بين الأطراف …والي تكمله قادمه




تم نسخ الرابط