الإثنين 31 أغسطس 2026 الموافق 18 ربيع الأول 1448

عن ترك القيادات للقطاع...للاستقالة أسباب أخرى

1906
المستقبل اليوم

 

تظل ضالة الإنسان العادي هي البحث عن عمل يحقق فيه ذاته وموهبته، ويكون مصدرًا لرزقه، فكل النصوص الدستورية والقواعد الإنسانية اعتبرت الحق في العمل موازياً للحق في الحياة، وعندما يقرر المرء أن يترك عمله مجبراً أو برغبته، فكلاهما قرار صعب له ما بعده بكل تأكيد.

أهمية العمل تظهر في عدم تحمل البعض أيام التقاعد القاسية، لاقتران أنفاسهم ووجودهم بحياتهم العملية، وفارقوا الحياة سريعاً، وهناك من اختار المغادرة طواعية من عمله لأسباب متعددة، وكان هذا قراراً صعب على أنفسهم ومن حولهم، ولعل أصعب هذه الظروف على الإطلاق تكمن في الأسباب الاجتماعية القاهرة، والتي تتركز في الغالب في العنصر النسائي، وهناك من فاض به الكيل من تعنت وظلم قياداته الذين مثلوا ابتلاءاً عظيماً له، فآثر المغادرة بهدوء. وهناك من يغادر عملاً لعمل آخر به مجال أوسع وحياة أرحب.

كانت القاعدة العامة أن من يغادر عادةً هم من في مقتبل العمر، حينها تكون الأحلام أكبر من الإمكانيات، ويكون البحث عن فرصة أفضل هو السبب والمحرك الرئيسي، ولكن يبدو أن الزمن قد تغير بالفعل حتى في ثوابته، الآن لا فرق بين صغير أو كبير، أو بين شاب ومخضرم، فكلاهما بات يملك نفس الطموح.

وسلسلة مغادرة قيادات البترول للوظيفة الميري لم تصبح ظاهرة بعد، ولكنها باتت ملحوظة لتعدد حالاتها على مستوى زمني قصير، هؤلاء لا ينقصهم المال بكل تأكيد، ولا يبحثون عن زواج أو مسكن جديد، وهي من أكثر الأسباب الشائعة في مجتمعنا، ولكن تبدو قراراتهم معبرة عن شيء ما تغير في شخصية ونوعية القيادات البترولية.

امتلاك شجاعة اتخاذ مثل هذا القرار هو بالتأكيد نتيجة عوامل كثيرة، ليس من بينها بالطبع الرغبة في العزلة، لم يعد هناك هوى لانتظار لحظات المغادرة للتقاعد، وانحسار الأضواء، والذهاب إلى غياهب النسيان كالمعتاد، ولكن أصبحت هناك الرغبة في الاستغلال الأمثل لما يملكه الإنسان من رصيد عملي وفني، وما تبقى له من نشاط وحيوية، والأهم من ذلك استغلال وجوده في معترك العمل نفسه، لأن ذلك يمثل قيمة مضافة في تسويق خبرته، وهذا بالتأكيد أفضل بكثير من تسويقها من المنزل.

انفتاح السوق العربية والعالمية على مشروعات الطاقة والقيمة المضافة أضاف بُعدًا آخر في موازين العرض والطلب، وأصبحت الشركات الكبرى تنتقي أيقونات الخبرة من أي بلد، أيًّا كانت جنسيته، بعد أن أصبح العالم مفتوحاً أمام الجميع.

لذلك، فإن حصر أسباب مغادرة قيادات البترول الطوعية، وهم في قمة السلم الوظيفي، ليس بالضرورة معبراً عن اختلالات هيكلية في القطاع، أو مشكلات في أسلوب الإدارة، أو الهروب من سفينة تغرق، ولكنه بداية تغيير في طبيعة شخصية وشكل الموظف المصري الذي يخاف المجهول، ويؤثر السلامة والأمان، ويجعله يتمسك بالوظيفة حتى آخر يوم من عمره، مهما كانت التضحيات والمنغصات، وأصبحنا نرى منهم من يتعامل باحترافية مع ما يملكه من خبرة وفيما يتاح له من فرص.

وصول هذه القيادات إلى قمة السلم الوظيفي لم يأتي مرسلًا، وإنما هو تعبير ومؤشر على تميزهم وجودة تفكيرهم وابتعادهم عن نمطية الموظف المعروفة، فالحياة الشخصية واستغلال الفرص بصفة عامة حق مشروع لكل إنسان، طالما أنه يجيء بطريقة رسمية وشرعية، ولا يجور على حقوق المؤسسة والدولة.

لا يجب أن نسمي الأمر ظاهرة، وحتى إن أصبحت كذلك مستقبلًا، لأن تعاملنا معها بتوتر أو توجس سيكشف عن سلبيات نحاول تجاهلها، وأهمها عدم وجود تسلسل صحيح للقيادات، وخلل الهرم الوظيفي، ونوعية الصفين الثاني والثالث التي نعرفها جميعًا، وهذا موضوع يطول شرحه.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط