الأحد 02 أغسطس 2026 الموافق 19 صفر 1448

أسامة فاروق..المناصب صنعت تاريخه والناس صنعت مكانته

164
المستقبل اليوم

هناك أشخاص تعرفهم من مناصبهم، وآخرون تعرفهم من إنجازاتهم، لكن هناك فئة نادرة تعرفها من أثرها في الناس قبل أي شيء آخر، والدكتور أسامة فاروق واحد من هؤلاء.

لم أتعرف إليه أول مرة في جلسة خاصة، ولم تجمعنا صداقة منذ البدايات، بل سبقته إليَّ سيرته، كنت أسمع اسمه كثيرًا عندما كان أحد قيادات شركة جنوب الوادي القابضة للبترول، ثم تكرر الحديث عنه أيام عمله في برج العرب للبترول، لكن المعرفة الحقيقية بدأت عندما أصبح نائبًا للرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للبترول للاستكشاف والاتفاقيات، ثم توثقت العلاقة أكثر خلال رئاسته للهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية، وحتى بعد انتهاء رحلته الوظيفية الرسمية، لم تنقطع الصلة، لأن بعض العلاقات لا تبنيها المصالح، وإنما يبنيها الاحترام.

ما لفت انتباهي في أسامة فاروق أنه لا يجتهد ليترك انطباعًا جيدًا، ولا يتصنع البساطة، بل تجد نفسك ترتاح إليه دون أن تشعر، وكأن الرجل يحمل في داخله هدوءًا يسبق كلماته، واحترامًا يسبق حضوره، وربما لهذا السبب ظل وسيظل حاضرًا في ذاكرة كل من عمل معه.

ولد حلمه داخل كلية العلوم بجامعة قناة السويس، التي تخرج فيها عام 1983، حاملاً شغفًا بعالم الجيولوجيا والاستكشاف، وفي العام التالي بدأ رحلته داخل الشركة العامة للبترول، ولم يكن يدرك أن هذا الطريق سيقوده بعد سنوات ليصبح أحد أبرز الأسماء في ملفات البحث والاستكشاف في مصر.

كانت البداية جيولوجيًا، ثم جيوفيزيقيًا، يتعلم من الحقول أكثر مما يتعلم من المكاتب، ويقرأ طبقات الأرض كما يقرأ غيره صفحات الكتب، وبين مواقع العمل في خليج السويس والصحراء الغربية وجنوب مصر، تكونت شخصية مهنية تؤمن بأن الاكتشاف الحقيقي يبدأ بالسؤال، وأن النجاح لا يأتي إلا لمن يعرف كيف يبحث.

ومع انتقاله إلى جيسوم للبترول، ثم عودته إلى الشركة العامة رئيسًا لقسم الجيوفيزياء، ثم إلى برج العرب للبترول، بدأت ملامح القائد تظهر قبل أن يحصل على أي منصب قيادي، كان يقود فرق العمل بالمشاركة لا بالأوامر، ويصنع النجاح الجماعي أكثر مما يبحث عن النجاح الشخصي.

وعندما انتقل إلى جنوب الوادي القابضة، كانت الشركة في مرحلة بناء، فكان من الذين شاركوا في رسم خريطة الاستكشاف في جنوب مصر، قبل أن يخوض تجربة جديدة مع تأسيس شركة كويت إنرجي إيجيبت، حيث ساهم في بناء واحدة من التجارب الناجحة في الاستثمار البترولي، وشارك في تحقيق اكتشافات مهمة داخل مصر وخارجها.

ولم تتوقف رحلته عند حدود الشركات، بل انتقل إلى الهيئة المصرية العامة للبترول نائبًا للرئيس التنفيذي للاستكشاف والاتفاقيات، وهي واحدة من أكثر الفترات تأثيرًا في مسيرته، حيث أشرف على إعداد المزايدات العالمية، وساهم في إبرام اتفاقيات جذبت شركات عالمية للاستثمار في مصر، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: أن تبقى مصر وجهة جاذبة للاستكشاف.

ثم جاءت محطة رئاسة الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية، ليخوض تحديًا جديدًا خارج عالم البترول التقليدي، واضعًا خبرته في خدمة التعدين وتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية، قبل أن يقود الشركة المصرية لتسويق الفوسفات، ويعمل على تطوير منظومة التسويق وفتح أسواق جديدة للمنتج المصري، لكن الذي لا يُنسى هو دوره الكبير في أن ترتفع مساهمة هيئة الثروة المعدنية في الدخل القومي .

لكن المناصب ليست أكثر ما يميز الرجل، فأسامة فاروق ليس فقط عالمًا في الجيولوجيا والاستكشاف، بل هو عاشق للكتاب، وقارئ للأدب، ومؤمن بأن الكلمة الصادقة تبني الإنسان كما تبني المعرفة، ولعل هذا ما جمع بيننا، أحاديث عن الكتب أكثر من الأحاديث عن المناصب، وعن الفكر أكثر من الحديث عن السلطة.

ورغم عشرات السنوات التي قضاها بين الخرائط الجيولوجية وبيانات الحقول والمزايدات العالمية، لم يغادر الجامعة يومًا، ظل يشارك في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، ويكتب الدراسات والأبحاث، مؤمنًا بأن العلم لا يتوقف عند سن أو منصب، وأن أفضل ما يتركه الإنسان بعده هو تلميذ تعلم منه فكرة أو قيمة.

ولعل أكثر ما يميز أسامة فاروق أنه كان منحازًا دائمًا إلى الشباب، كان يرى أن الثروة الحقيقية ليست في الآبار وحدها، وإنما في العقول القادرة على اكتشافها، لذلك منح الفرصة، وشجع الاجتهاد، وترك خلفه كوادر أصبحت اليوم تقود مواقع مهمة داخل القطاع.

ولم يكن ممن يجيدون الحديث حول إنجازاتهم، كان ولا يزال يفضل أن تتحدث النتائج عنه، وأن يظل اسمه مرتبطًا بما أنجزه لا بما قاله، ولهذا، يصعب أن تجد من عمل معه ثم نسيه، ليس لأنه كان رئيسًا، ولكن لأنه كان يترك في كل مكان قيمة، وفي كل فريق روحًا، وفي كل تجربة درسًا.

قد يحصل الإنسان على أوسمة كثيرة طوال حياته، لكن يبقى الوسام الأهم هو احترام الناس بعد أن يغادر المنصب، وأن يظل اسمه يُذكر بالخير بين زملائه وتلاميذه وكل من عرفه.

هذه، في تقديري، هي القصة الحقيقية للدكتور أسامة فاروق.
قصة رجل بدأ رحلته جيولوجيًا يحمل حقيبة على أرض الواقع، ولا يزال رمزًا مهنيًا وإنسانيًا ترك أثرًا لا تصنعه القرارات ولا المناصب، بل يصنعه الإخلاص، والعلم، واحترام الإنسان للإنسان.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط