الإثنين 13 يوليو 2026 الموافق 28 محرم 1448

مجرد رأي: أنابيب البترول ليست محطة تدريب..أعيدوها إلى أبنائها

425
المستقبل اليوم

هناك شركات في قطاع البترول يمكن أن يقودها مسؤول قادم من نشاط آخر، لأن طبيعة عملها تسمح بذلك، ولأن منظومتها الإدارية لا تختلف كثيرًا عن غيرها، لكن هناك شركات أخرى لها خصوصية شديدة، لا يكفي معها النجاح الإداري وحده، بل تحتاج إلى قائد نشأ داخلها، وعرف تفاصيلها، وتشرب ثقافتها، وعاش تاريخها.
ربما شركة أنابيب البترول واحدة من هذه الشركات.

القضية هنا ليست المهندس حجاج كيلاني، فهو مسؤول محترم يمتلك خبرة كبيرة في مجال التكرير، ولا أحد يشكك في كفاءته، كما لم تكن القضية من قبل المهندس نبوي محمد، الذي جاء من بتروجاس، ثم انتقل بعد ذلك إلى رئاسة إيفاكو، وبذل اقصى ما يمكن بذله، لكن القضية الحقيقية تكمن في فلسفة اتخاذ القرار.

عندما يتم اختيار رئيس لشركة بهذا الحجم من خارج نشاطها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل من اتخذ القرار يعرف طبيعة هذه الشركة؟ وهل يعرف لماذا أُنشئت؟ وما الدور الذي تقوم به؟ وما هي تقاليدها وأدبياتها التي تشكلت عبر عشرات السنين؟

أنابيب البترول ليست مجرد شركة تنقل الخام والمنتجات البترولية عبر خطوط ممتدة في أنحاء الجمهورية، بل هي شريان رئيسي لأمن الطاقة في مصر، ومنظومة تشغيل تختلف في طبيعتها عن شركات الإنتاج أو التكرير أو التوزيع.

ولذلك، فإن الخبرة الفنية وحدها لا تكفي، لأن قيادة هذه الشركة تحتاج أيضًا إلى فهم عميق لطبيعة الشبكات، وإدارة المخاطر وثقافة التشغيل، وأسلوب العمل الذي تراكم عبر عقود.

التجربة أثبتت في كثير من شركات القطاع العام أن أفضل من يقود هذه الشركات هو أحد أبنائها، ليس لأن أبناءها أفضل من غيرهم على إطلاقه، وإنما لأنهم يعرفون تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة، ويحفظون تاريخها، ويدركون طبيعة العاملين بها، ويعرفون كيف تُدار المنظومة من الداخل.

هذه ليست دعوة إلى الانغلاق، ولا رفضًا لتبادل الخبرات، لكنها دعوة إلى احترام خصوصية الشركات.

ولعل المتابع لتاريخ شركة أنابيب البترول يلاحظ أن الفترات التي تولى فيها قيادتها أبناء الشركة كانت في الأغلب أكثر استقرارًا، وراجعوا تاريخ المهندس محمد ماجد والمهندس أيمن عبدالبديع، وهذا لأن القيادة كانت تنطلق من فهم متراكم لطبيعة النشاط، وليس من محاولة اكتشافه بعد تولي المنصب، كما أن هذا لا يعني إخفاق الاخرون بشكل كامل، بل لأن هناك أيدلوجيات تؤيد هذا وتنفر من ذاك .

حتماً، الاستقرار لا يصنعه القرار وحده، بل تصنعه أيضًا ملاءمة الشخص للمكان، ولهذا، إذا كانت هناك بالفعل نية لإجراء تغيير في قيادة شركة أنابيب البترول خلال الفترة المقبلة، فإن المنطق يقول إن أول مكان يجب أن تبحث فيه الوزارة هو داخل الشركة نفسها، فهناك كوادر عاشت سنوات طويلة داخل هذا الكيان، وتدرجت في مختلف مواقعه، وتعرف كل محطة وكل خط وكل تحدي واجه الشركة عبر تاريخها.

إعادة قيادة أنابيب البترول إلى أحد أبنائها ليست انتقاصًا من أحد، وليست حكمًا على تجربة بعينها، وإنما هي احترام لتاريخ شركة عريقة، وإيمان بأن بعض المؤسسات لا تزال تحتفظ بخصوصية تجعل أبناءها الأقدر على قيادة مسيرتها، لأن النجاح لا يتحقق دائمًا بتغيير الأشخاص، وإنما يبدأ أحيانًا باختيار الشخص المناسب للمكان المناسب، خاصة عندما يكون المكان يحمل تاريخًا طويلًا، وهوية متفردة، وإرثًا لا ينبغي تجاهله.

#المستقبل_البترولي #سقراط




تم نسخ الرابط