وائل عطية يكتب: الصفر الذي له قيمة
كلمة الصفر في اللغة العربية تدل على الخلو والفراغ. فيُقال: صَفِر المكان أي خلا من الناس وصِفْر اليدين أي خالي اليدين لا يملك شيئًا. وفي الرياضيات... الصفر هو العدد الذي يعبّر عن انعدام الكمية، فإذا كانت مديونيتك صفرًا فهذا يعني أنك غير مدين لأحد. كما يقع الصفر على خط الأعداد بين الأعداد الموجبة والسالبة ويمثل نقطة الفصل بينهما.
إذن ... سواء في اللغة أو الرياضيات فإن الصفر يرمز إلى غياب القيمة أو انعدامها. لكن هناك صفرًا واحدًا يمكن أن تساوي قيمته ذهبًا، بل ربما أكثر من ذلك. إنه الصفر الذي أعلن عنه المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية والذي استحق أن يحتفى به رسميا واعلاميا" ويُحتفل به باعتباره إنجازًا اقتصاديًا واستثماريًا بالغ الأهمية.
فإعلان الوزير وصول مستحقات شركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز إلى صفر بعد أن بلغت نحو ٦.١ مليار دولار في يونيو ٢٠٢٤ لا يمكن قراءته باعتباره خبرًا ماليًا عابرًا أو مجرد تسوية حسابية بين الحكومة والشركات. بل هو في جوهره إعلان عن إغلاق واحد من أكثر الملفات تأثيرًا في مناخ الاستثمار بقطاع البترول خلال السنوات الماضية.
فصناعة البترول والغاز تقوم على الثقة قبل أن تقوم على الآبار وتسهيلات الإنتاج وخطوط الأنابيب. والشركات العالمية التي تضخ استثمارات بمليارات الدولارات في البحث والاستكشاف والتنمية لا تنظر فقط إلى حجم الاحتياطيات أو جودة الفرص الجيولوجية، بل تنظر أيضًا إلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها واستقرار سياساتها ووضوح علاقتها مع المستثمرين.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الصفر. فهو لا يعني فقط أن الدولة سددت ما عليها، بل يعني أن رسالة واضحة وصلت إلى مجتمع الاستثمار العالمي: مصر تحترم تعهداتها وتدرك أن جذب الاستثمارات لا يتحقق بالشعارات وإنما بالالتزام والانضباط وبناء الثقة المتبادلة.
لقد كان تراكم المستحقات خلال السنوات الماضية أحد العوامل الضاغطة على قرارات الشركات العاملة في مصر. فحين تتأخر المستحقات تتباطأ برامج الاستكشاف والحفر والتنمية وتتراجع شهية الشركات للتوسع وتُعاد جدولة بعض المشروعات أو تأجيلها. والنتيجة الطبيعية لذلك تظهر لاحقًا في معدلات الإنتاج وفي قدرة السوق المحلية على تلبية احتياجاتها من البترول والغاز.
لذلك فإن إنهاء هذا الملف يمثل انتقالًا مهمًا من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة صناعة الفرصة. فالقطاع اليوم لا يبدأ من نقطة فراغ، بل من قاعدة جديدة عنوانها استعادة الثقة. وهذه الثقة يمكن أن تتحول إذا أُحسن استثمارها إلى زيادة في برامج الحفر والاستكشاف وتسريع لتنمية الاكتشافات وعودة أقوى لرؤوس الأموال الأجنبية إلى مناطق الامتياز المختلفة.
لكن من المهم أيضًا أن نقرأ الإنجاز بواقعية. فالوصول بالمستحقات إلى صفر لا يعني أن زيادة الإنتاج ستحدث فورًا أو بين ليلة وضحاها. فمشروعات البترول والغاز خاصة في المياه العميقة بالبحر المتوسط تحتاج إلى استثمارات ضخمة وتكنولوجيا متقدمة وفترات زمنية طويلة قبل أن تتحول من اكتشافات واعدة إلى إنتاج فعلي. غير أن ما حدث يزيل عقبة رئيسية من الطريق ويفتح الباب أمام دورة استثمارية أكثر نشاطًا.
وتتضاعف أهمية هذا الإعلان في ظل حاجة الاقتصاد المصري إلى زيادة الإنتاج المحلي من الطاقة وتقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغوط على العملة الأجنبية. فكل زيادة في إنتاج البترول والغاز لا تمثل فقط مكسبًا لقطاع الطاقة، بل تنعكس على الصناعة والموازنة العامة وميزان المدفوعات وقدرة الدولة على تأمين احتياجات السوق المحلية.
كما أن لهذا الصفر بعدًا سياسيًا واقتصاديًا أوسع. فهو يعزز صورة مصر كدولة قادرة على ترتيب أولوياتها والوفاء بالتزاماتها رغم التحديات الاقتصادية. وفي عالم تتنافس فيه الدول على جذب الاستثمارات تصبح المصداقية أصلًا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية نفسها.
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الوصول إلى الصفر. فالأهم من سداد المتأخرات هو الحفاظ على عدم تراكمها مرة أخرى ووضع آليات تضمن انتظام السداد واستقرار السياسات وسرعة اتخاذ القرار حتى لا يعود القطاع إلى الدائرة نفسها التي خرج منها.
لقد أصبح الصفر هنا رقمًا استثنائيًا. لم يكن عنوانًا للخلو أو الفراغ، بل عنوانًا لاستعادة الثقة وبداية مرحلة جديدة يمكن أن تحمل لقطاع البترول المصري مزيدًا من الاستثمار والإنتاج والاستقرار. ولهذا، فإن هذا الصفر لا يُحسب بالأرقام فقط، بل يُقاس بما يمكن أن يفتحه من أبواب للمستقبل.