الأربعاء 10 يونيو 2026 الموافق 24 ذو الحجة 1447

وائل عطية يكتب: ٢٥ تريليون قدم من الغاز... احتياطي حقيقي أم خيال ؟

155
وائل عطية
وائل عطية

 

كثيرًا ما سمعنا عن أرقام الاحتياطيات التي تعلن بعد نجاح الحفر الاستكشافي لآبار البترول والغاز ويجب أن نعترف أن وقع هذه الأرقام على آذان الخبراء يختلف كثيرًا عن وقعه على آذان العامة من الناس. فما يراه غير المتخصصين أرقامًا كبيرة وبداية لعهد من التحرر من استيراد الخام والغاز والمنتجات البترولية لا يراه الخبراء إلا محض أرقام عادية لا ترقى إلى تعويض التناقص الطبيعي في إنتاج البترول والغاز. عدة آلاف من البراميل لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لا تفعل شيئًا في عجز يبلغ نصف مليون برميل يوميًا و٥٠ مليون قدم مكعب من الغاز لا تحل مشكلة عجز يقترب من ملياري قدم مكعب يوميًا. بل قد يصدم الجمهور إذا عرف أن المليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي تعادل نحو ١٦٧ برميل بترول مكافئ وفق معامل التحويل الصناعي الشائع البالغ ٦٠٠٠ مكعب لكل برميل مكافئ.
وفي خضم الجدل الدائر حول أزمة الغاز الطبيعي برز تصريح الخبير الاقتصادي المعروف الدكتور محمد فؤاد عضو مجلس النواب الى قناة العربية الإخبارية بأن مصر تمتلك حقولًا غير مطورة أو مؤجلة تنميتها تقدر احتياطاتها بما يتراوح بين ٢٠ و ٢٥ تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي معتبرًا أن الإسراع في تنمية هذه الحقول يمثل الحل الأكثر فاعلية لمعالجة أزمة الإمدادات.
ورغم جاذبية هذا الرقم إعلاميًا فإن التعامل معه باعتباره كمية جاهزة للإنتاج قد يكون مبالغة لا تتفق مع طبيعة صناعة الغاز. فالاحتياطيات التي يجرى الإعلان عنها في مراحل الاكتشاف الأولى تكون في كثير من الأحيان تقديرات مبدئية قابلة للزيادة أو النقصان بعد حفر آبار التقييم وإعداد نماذج الخزانات والدراسات الهندسية والاقتصادية. كما أن وجود الغاز في باطن الأرض لا يعني بالضرورة إمكانية إنتاجه اقتصاديًا أو تقنيًا في الظروف الحالية.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تعاني مصر من نقص الاحتياطيات أم من صعوبة تحويل الاحتياطيات إلى إنتاج فعلي؟

في توصيفه للأزمة الحالية أشار الدكتور محمد فؤاد إلى أن تراجع النشاط الاستكشافي يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء أزمة الغاز. غير أن الأرقام المتاحة ترسم صورة أكثر تعقيدًا.
فخلال السنوات الثلاث الأخيرة ومن خلال شركة ايجاس تم توقيع ١٢ اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز باستثمارات حدها الأدنى نحو ١.١٧ مليار دولار، تضمنت التزامات بحفر ٣٧ بئرًا خلال فترات البحث. كما تم تنفيذ مسوحات سيزمية ثلاثية الأبعاد تجاوزت ٣٠ ألف كيلومتر مربع إضافة إلى نحو ٢٣٥٠ كيلومترًا مربعًا من المسوحات رباعية الأبعاد وهي من أكبر برامج جمع البيانات الجيوفيزيائية التي شهدها القطاع في السنوات الأخيرة.
وخلال العام المالي الحالي وحده تم الانتهاء من حفر ١٣ بئرًا استكشافية مع استمرار العمل في بئرين إضافيين وهو ما يتجاوز المستهدف السنوي المعلن. كما تم توقيع ثلاث اتفاقيات جديدة باستثمارات لا تقل عن ٢٣٤ مليون دولار لحفر ١٠ آبار جديدة بينما يجري الإعداد لحفر نحو ٤٠ بئرًا استكشافية خلال السنوات الثلاث المقبلة.
هذه الأرقام تجعل من الصعب التسليم بوجود تراجع استكشافي من خلال شركة ايجاس بالمعنى التقليدي للكلمة. لكن في المقابل فإن النشاط الاستكشافي لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات أو الآبار وإنما أيضًا بحجم الاستثمارات الفعلية وسرعة تحويل الاكتشافات إلى إنتاج. وهنا تكمن نقطة القوة في طرح الدكتور محمد فؤاد؛ فالمشكلة الحالية ليست غياب الاستكشاف بقدر ما هي فجوة زمنية متزايدة بين الاكتشاف والتنمية والإنتاج.

من أكثر المفاهيم التي يساء فهمها لدى الرأي العام الاعتقاد بأن الإعلان عن اكتشاف جديد يعني قرب تدفق الغاز إلى الشبكة القومية.
والحقيقة أن الطريق بين الاكتشاف والإنتاج قد يكون طويلًا ومعقدًا. فبعد الاكتشاف تبدأ مرحلة التقييم الفني للخزان يليها إعداد خطة التنمية ثم توفير التمويل والتعاقد على المعدات وأجهزة الحفر وإنشاء التسهيلات اللازمة للإنتاج والنقل والمعالجة.
ولعل ما يحدث في حقل نرجس خير مثال على ذلك. فرغم أن الحقل أصبح أحد أكثر الاكتشافات تداولًا في وسائل الإعلام خلال العامين الماضيين فإن المشروع ما زال يمر بمراحل التقييم واستكمال الدراسات الفنية وحفر الآبار التقييمية قبل اتخاذ قرار التنمية النهائي. والأمر نفسه ينطبق على مشروعات نور ودينيس ويست وهارمتان وهي أسماء أصبحت معروفة للمتابعين لكنها لم تتحول بعد إلى طاقات إنتاجية قادرة على سد الفجوة الحالية في الإمدادات.
وفي الحقول البحرية العميقة قد تستغرق دورة التطوير عدة سنوات قبل وصول أول قدم مكعب من الغاز إلى المستهلك النهائي خصوصًا مع الحاجة إلى منصات بحرية وخطوط نقل ومعدات طويلة الأجل مرتفعة التكلفة.

وعند الحديث عن الحقول غير المطورة يجب التفرقة بين الاحتياطي المكتشف والاحتياطي القابل للتنمية اقتصاديًا.
فعلى سبيل المثال تشير التقديرات الأولية إلى أن كشف (سلامات) في البحر المتوسط قد يحتوي على نحو 3 تريليونات قدم مكعب من الغاز لكنه يواجه تحديات تقنية كبيرة ترتبط بأعماق الحفر والضغوط التشغيلية المرتفعة المطلوبة للإنتاج.
كما يواجه كشف (نوتس) الذي يقدر الاحتياطي الخاص به بنحو ١.٢ تريليون قدم مكعب تحديات إضافية مرتبطة بارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغاز المنتج وارتفاع تكاليف المعالجة والتشغيل.
أما احتياطي كشف (رحمات) فيقدر بنحو ٧١٨ مليار قدم مكعب، في حين يقدر احتياطي (نفرتاري) بنحو ٧٢٠ مليار قدم مكعب ويواجه تحديات مرتبطة ببعده عن أقرب تسهيلات إنتاج قائمة. بينما يواجه كشف (خوفو) معضلة اقتصادية تتمثل في أن حجم الاحتياطي القابل للاستخراج قد لا يبرر حجم الإنفاق الاستثماري المطلوب لتنميته.
ومن هنا فإن جمع احتياطيات هذه الحقول والوصول إلى رقم يتراوح بين ٢٠ و ٢٥ تريليون قدم مكعب لا يعني بالضرورة أن جميع هذه الكميات ستتحول إلى إنتاج تجاري أو أنها قابلة للتنمية وفق نفس الجدول الزمني.

وتكشف تحركات الشركات الأجنبية عن طبيعة التحديات التي تواجه القطاع. فشركتا شيفرون وإيني تواصلان العمل على استكمال برامج تقييم بعض الاكتشافات الواعدة وفي مقدمتها نرجس بينما تدرس شركات دولية مثل وودسايد و أركيوس وانرجين فرص الاستثمار في عدد من الاكتشافات غير المنماة بشرق المتوسط.
وفي المقابل سبق أن تخلت شركات كبرى عن بعض المناطق بعد مراجعة الجدوى الاقتصادية أو التحديات الفنية المرتبطة بها. كما أن العديد من الاكتشافات التي يجري الحديث عنها اليوم سبق تقييمها منذ سنوات لكن قرارات التنمية تأخرت لأسباب مالية أو فنية أو تجارية.
ولهذا يظل انتظام سداد مستحقات الشركاء الأجانب أحد أهم العوامل المؤثرة في تسريع قرارات الاستثمار وتحويل الاكتشافات إلى إنتاج فعلي.
من هنا يجب قراءة الأرقام بعيدًا عن الانبهار ولفهم حجم التحدي بشكل أفضل يكفي النظر إلى بعض الأرقام.
فالعجز الحالي في سوق الغاز يقترب من ملياري قدم مكعب يوميًا أي ما يعادل نحو ٧٣٠ مليار قدم مكعب سنويًا. وبحسابات بسيطة فإن احتياطيًا بحجم تريليون قدم مكعب يكفي نظريًا لتغطية نحو ٥٠٠ يوم فقط من هذا العجز إذا أمكن إنتاجه بالكامل فورًا وهو أمر لا يحدث عمليًا.
أما الرقم الذي تحدث عنه الدكتور محمد فؤاد والبالغ ٢٠ إلى ٢٥ تريليون قدم مكعب فهو رقم يبدو ضخمًا للوهلة الأولى لكنه يمثل تقديرات تراكمية لحقول مختلفة ومتباعدة جغرافيًا ومتفاوتة في الجدوى الاقتصادية والتحديات الفنية وليس مشروعًا واحدًا يمكن إدخاله إلى الإنتاج بقرار استثماري واحد.
كما أن الحقول المصرية القائمة تفقد سنويًا جزءًا من إنتاجها نتيجة التناقص الطبيعي للخزانات وهو ما يعني أن جزءًا كبيرًا من أي إنتاج جديد يذهب أولًا لتعويض هذا التراجع قبل أن يضيف كميات صافية إلى السوق.

ربما يكون الدرس الأهم في أزمة الغاز الحالية أن صناعة البترول لا تُقاس بحجم ما يُكتشف تحت الأرض، بل بحجم ما ينجح في الوصول إلى خطوط الإنتاج. فبين الإعلان عن الاكتشاف وبين أول قدم مكعب يدخل الشبكة القومية سنوات من الدراسات والاستثمارات والمخاطر الفنية.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغل السوق ليس كم تريليون قدم مكعب نملك، بل كم مليون قدم مكعب إضافية نستطيع إنتاجها غدًا. وهذا هو الفارق الحقيقي بين لغة الاحتياطيات ولغة الإمدادات وبين الأرقام التي تثير العناوين الصحفية والكميات التي تحل الأزمات على أرض الواقع.




تم نسخ الرابط