الخميس 30 أبريل 2026 الموافق 13 ذو القعدة 1447

صخور النفط ورمال السياسة... قصة عبدالله الطريقي مؤسس منظمة أوبك

78
المستقبل اليوم

في تاريخ صناعة النفط العربية، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تغيّر قواعد اللعبة، لا بالصدفة، بل بالوعي والمعرفة والجرأة. ويأتي في مقدمة هذه الأسماء الشيخ عبدالله بن حمود الطريقي، أو كما عُرف بلقب “أبو صخر”، كأحد الآباء المؤسسين للفكر البترولي العربي، وصاحب الدور المحوري في نقل النفط من كونه مجرد نشاط اقتصادي خاضع للشركات الأجنبية إلى ملف سيادي مرتبط باستقلال القرار الوطني.

النشأة.. من الزلفي إلى العالم

وُلد الطريقي عام 1918 في مدينة الزلفي بالمملكة العربية السعودية، في عام عُرف بين أهل نجد بـ“سنة الرحمة”. تلقى تعليمه الأولي على يد الشيخ محمد بن عمر، قبل أن ينتقل مع والده إلى الكويت وهو في سن السادسة، حيث بدأ رحلته مع التعليم النظامي.

لم تكن هذه المحطة سوى بداية لمسار استثنائي، إذ انتقل لاحقًا إلى الهند، وهناك التقى بالتاجر العربي عبدالله الفوزان، الذي كان له دور محوري في توجيهه نحو الابتعاث الخارجي. فكانت القاهرة وجهته التالية، حيث التحق بالمدارس الثانوية، ثم بكلية العلوم في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة حاليًا)، ليتخرج عام 1945 متخصصًا في الكيمياء.

التأهيل العلمي.. بوابة النفط

لم يتوقف طموح الطريقي عند هذا الحد، فسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على درجة الماجستير في الجيولوجيا من جامعة تكساس، مع تخصص فرعي في هندسة البترول، وهو ما منحه فهمًا علميًا عميقًا لصناعة النفط، في وقت كانت فيه هذه المعرفة نادرة عربيًا.

المسيرة العملية.. من الوظيفة إلى التأثير

بعد عودته، عمل في وزارة المالية، ثم شق طريقه سريعًا نحو مواقع التأثير. ففي عام 1959، تم تعيينه عضوًا في مجلس إدارة شركة أرامكو، ليكون من أوائل السعوديين الذين دخلوا هذا الكيان الذي كان خاضعًا بشكل شبه كامل للسيطرة الأجنبية.

ومن هنا بدأ دوره الحقيقي..
إذ أسهم الطريقي في وضع أسس مشاركة الدولة في الثروة النفطية، عبر سياسات المحاصصة، وتعزيز دور الحكومات في إدارة مواردها، وهو ما كان له أثر بالغ في تغيير شكل العلاقة بين الدول المنتجة وشركات النفط العالمية.

وزيرًا للبترول.. وصانع التحول

تولى الطريقي منصب وزير البترول والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية، ليصبح أول من يشغل هذا المنصب في تاريخها. وخلال هذه الفترة، لعب دورًا محوريًا في الدفاع عن حقوق الدول المنتجة، وساهم في ترسيخ فكرة السيادة على الموارد الطبيعية.

كما عمل مستشارًا نفطيًا في دولة الكويت، وترك بصمة واضحة في تطوير سياساتها النفطية، ما جعله شخصية خليجية ذات تأثير إقليمي واسع.

أوبك.. الحلم الذي أصبح واقعًا

يُعد عبدالله الطريقي أحد مؤسسي منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وهي المنظمة التي غيّرت موازين القوى في سوق الطاقة العالمي، وأعادت للدول المنتجة جزءًا كبيرًا من قدرتها على التحكم في مواردها.

وقد كان الطريقي من أوائل من نادوا بضرورة توحيد المواقف العربية والخليجية في مواجهة هيمنة الشركات الأجنبية، وهو ما تحقق لاحقًا عبر أوبك.

الفكر والرؤية.. “نفط العرب للعرب”

لم يكن الطريقي مجرد مسؤول تنفيذي، بل كان صاحب رؤية فكرية واضحة، عبّر عنها بشعاره الشهير:
“نفط العرب للعرب”

هذا الشعار لم يكن مجرد عبارة، بل كان مشروعًا متكاملًا، يجمع بين الاقتصاد والسياسة، ويهدف إلى تحرير القرار النفطي من الهيمنة الخارجية، وبناء نموذج تنموي عربي قائم على استغلال الثروات بشكل عادل ومستقل.

الكتاب.. توثيق سيرة رجل ومرحلة

تناولت العديد من الدراسات والكتب سيرة الطريقي، ومن أبرزها كتاب “عبدالله الطريقي.. الأعمال الكاملة”، الذي يجمع مقالاته وأوراقه الفكرية، ويقدم صورة متكاملة عن دوره في تأسيس الوعي البترولي العربي.

كما يسلط أحد الكتب المهمة الضوء على مسيرته باعتباره أحد رواد صناعة النفط العربي، مستعرضًا رحلته من الزلفي إلى القاهرة ثم الولايات المتحدة، وصولًا إلى دوره في تأسيس أوبك، وصراعه مع شركات النفط الأجنبية، في مرحلة تاريخية شهدت تحولات كبرى في علاقة النفط بالسياسة.

ويعتمد هذا التوثيق على المعلومات والوثائق والصور والتحليل، ليؤرخ لجيل عربي كامل، تلقى تعليمه في الغرب، ثم عاد ليقود معركة الاستقلال الاقتصادي.

النهاية.. وبقاء الأثر

توفي الشيخ عبدالله الطريقي في القاهرة عام 1997 عن عمر ناهز 78 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، ودُفن في الرياض.

لكن الأثر الذي تركه لم ينتهِ برحيله..
فالرجل لم يكن مجرد وزير أو مسؤول، بل كان مدرسة فكرية، أسهمت في تشكيل ملامح صناعة النفط في العالم العربي، ورسخت فكرة أن الثروة لا تكتمل قيمتها إلا حين تكون في يد أصحابها.


عبدالله الطريقي ليس مجرد اسم في تاريخ النفط، بل هو عنوان لمرحلة كاملة، انتقل فيها العرب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك، ومن الهامش إلى قلب المعادلة،،،وتبقى سيرته شاهدًا على أن الوعي، حين يقترن بالإرادة، قادر على تغيير موازين القوى.

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط