لطائف و قطائف… سمير زايد (24)
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
تأتي الآية (186) من سورة البقرة في موضعٍ بديعٍ من السياق القرآني، بعد أن تحدّثت الآيات السابقة عن فريضة الصيام وأحكام شهر رمضان, وهنا يقف المتأمل أمام سؤال عميق: لماذا جاءت آية الدعاء في وسط آيات الصيام؟
إن هذا الترتيب ليس عفويًا، بل يحمل من المعاني الروحية والبلاغية ما يكشف عن عمق الهداية القرآنية. يشير كثير من المفسرين إلى أن مجيء آية الدعاء بعد الصيام إشارة إلى أن الصائم أقرب ما يكون إلى الله.
يقول الإمام إسماعيل بن كثير في كتابه تفسير القرآن العظيم:
“وفي ذكر هذه الآية في خلال أحكام الصيام إرشادٌ إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر.”
فالصيام عبادة تُرقّق القلب، وتكسر سلطان الشهوة، وتفتح أبواب القرب من الله؛ فإذا صفا القلب من شواغل الجسد صار أقرب للإجابة.
ولهذا جاء الحديث النبوي: “للصائم عند فطره دعوة لا ترد.”
فكأن القرآن يقول للصائم: إذا جاهدت نفسك وتهذبت روحك، فارفع يديك بالدعاء، فإنك الآن أقرب إلى الله.
من يتأمل الآيات يلاحظ ظاهرة بلاغية فريدة في القرآن، وهي الانتقال المفاجئ من أسلوب التشريع إلى خطاب وجداني مباشر يمسّ القلب.
ففي بداية الآيات يسود الأسلوب التشريعي الواضح:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ، ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ، ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾
كلها عبارات تنظيمية تبيّن الأحكام والحدود، ثم فجأة ينتقل السياق إلى خطاب مفعم بالرحمة والقرب: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ وهذا التحول البلاغي ليس مجرد تنوع في الأسلوب، بل يحمل رسالة تربوية وروحية عميقة.
الشريعة في ظاهرها أوامر ونواهٍ، لكن القرآن يريد أن يذكّر المؤمن بأن العبادة ليست مجرد تكاليف، بل علاقة حيّة بين العبد وربه.
ولهذا جاء هذا الانتقال المفاجئ في الأسلوب.
يقول الإمام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب:
“لما ذكر الله أحكام الصيام وما فيها من المشقة، أردف ذلك بذكر الدعاء، ليعلم العبد أن المقصود من هذه الطاعات القرب من الله.”
فكأن القرآن يقول:هذه الأحكام ليست غاية في ذاتها، بل طريق إلى القرب من الله.
ومن أرقّ ما في الآية قول الله تعالى:﴿عِبَادِي﴾ فالله لم يقل: وإذا سألك الناس، بل نسبهم إلى نفسه. يقول الإمام أبو عبد الله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: “في قوله (عبادي) تشريف لهم، وإظهار للطف الله بهم.” إنها كلمة واحدة، لكنها تحمل إحساسًا عميقًا بالأمان والقرب. فالعبد حين يسمعها يشعر أنه ليس بعيدًا عن ربه، بل هو منسوب إليه.
إن هذا الانتقال البلاغي من التشريع إلى الخطاب الوجداني يكشف عن حقيقة عميقة في القرآن: أن العبادات ليست مجرد أعمال ظاهرية، بل جسور روحية تصل القلب بالله.
رمضان كريم