لطائف وقطائف...سمير زايد (15)
﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡآنُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾
نزول القرآن جملة واحدة
أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كلٌّ منها على النبي الذي أُنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: “إنا أنزلناه في ليلة القدر”، وقال: “إنا أنزلناه في ليلة مباركة”، ثم نزل بعد ذلك مفرّقًا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هكذا رُوي من غير وجه عن ابن عباس، كما قال السدي عن محمد بن أبي المجالد عن مقسم، عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود، فقال: وقع في قلبي الشك من قول الله تعالى: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”، “إنا أنزلناه في ليلة مباركة”، “إنا أنزلناه في ليلة القدر”، وقد أُنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع.
فقال ابن عباس: إنه أُنزل في رمضان، في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أُنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام. رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، وهذا لفظه.
وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أُنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا فجُعل في بيت العزة، ثم أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة لجواب كلام الناس.
وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: “وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلًا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا”.
وهنا يظهر مجموعة من الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن، دعونا نتناولها سويًا:
السؤال الأول: أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة واحدة، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجمًا مبعضًا، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان؟
والجواب عنه من وجهين:
الأول: أن القرآن أُنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجومًا، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة في ذلك، فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم، أو كان في المعلوم أن في ذلك مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته.
الجواب الثاني عن هذا السؤال: أن المراد منه أنه ابتدئ إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان، وهو قول محمد بن إسحاق، وذلك لأن مبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لكونها أشرف الأوقات، ولأنها أيضًا أوقات مضبوطة معلومة.
واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز، وههنا يحتاج، فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه.
السؤال الثاني: كيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى: “إنا أنزلناه في ليلة القدر”، وبين قوله: “إنا أنزلناه في ليلة مباركة”؟
والجواب: روي أن ابن عمر استدل بهذه الآية وبقوله: “إنا أنزلناه في ليلة القدر” أن ليلة القدر لا بد وأن تكون في رمضان، وذلك لأن ليلة القدر إذا كانت في رمضان كان إنزاله في ليلة القدر إنزالًا له في رمضان، وهذا كمن يقول: لقيت فلانًا في هذا الشهر، فيقال له: في أي يوم منه؟ فيقول يوم كذا، فيكون ذلك تفسيرًا للكلام الأول، فكذا ههنا.
سوف نستكمل في الحلقة القادمة.
رمضان كريم.