كريم بدوي...الوزير الذي حطم القوالب التقليدية في البترول
في قطاع يعتمد على قرارات بمليارات الدولارات حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد وتُقاس النتائج بالأرقام لا الانطباعات نادرًا ما تُكسر القواعد التقليدية للإدارة. وزارات البترول بطبيعتها تميل إلى الحذر وإلى العمل من خلف المكاتب حيث تُدار الملفات عبر تقارير واجتماعات أكثر مما تُدار من مواقع الإنتاج.
لكن ماذا يحدث عندما يحاول مسؤول إعادة تعريف هذه المعادلة؟
يقدم المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية نموذجًا مختلفًا لقيادة قطاع معقد يقوم على الجمع بين الحضور الميداني المكثف والانخراط المباشر مع الشركاء الدوليين إلى جانب دفع مسارات إصلاحية في بيئة مؤسسية معروفة بتحدياتها.
خلال مؤتمر جمعية مهندسي البترول العالمية - أقسام الطلبة المصرية - الذي استضافته الجامعة الأمريكية لم يكن حضور المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية مجرد مشاركة بروتوكولية، بل رسالة واعية ومباشرة إلى جيل جديد بثّ فيها الأمل مؤكدا أن صناعة البترول في مصر ما زالت تملك فرصا واسعة لمستقبل أكثر إشراقا.
ومن منصة الحديث إلى قلب الميدان ينتقل الوزير سريعا إلى الصحراء الغربية حيث تتجسد الصناعة على حقيقتها يتفقد أجهزة الحفر ويبيت على أحدها قريبا من تفاصيل العمل اليومية ثم يواصل جولاته بين مواقع الإنتاج قبل أن يعود إلى القاهرة لمتابعة اجتماعات الجمعيات العمومية والاجتماع مع الشركاء وقيادات القطاع في سلسلة متواصلة من العمل لا تعرف التوقف.
وفي أحد هذه المشاهد الميدانية رأيته يقف بشغف مرتديًا (الأفرول) يراقب عن قرب نزول قطعة غيار ضرورية لاستكمال تجهيزات سفينة التغويز في لحظة تعكس إدراكا حقيقيا لتفاصيل دقيقة ترتبط مباشرة بتأمين إمدادات الغاز واستقرار منظومة الطاقة.
وتسمعه في قاعات الاجتماعات وهو يضع الإطار العام يلقن الجميع المحاور الستة التي تحمل رؤيته لتطوير القطاع يتابع رجاله وهم يتقدمون واحدًا تلو الآخر لعرض الرسائل وشرح الخطوات وإبراز النتائج في مشهد يعكس قيادة تعرف كيف تبني فريقا وتدير منظومة وتحول الرؤية إلى واقع عملي.
وفي مشهد آخر يعكس ما يتجاوز حدود المنصب يقف تحت الطائرة ليستقبل جثمان شهيد بروح إنسانية وشهامة مصرية أصيلة قبل أن يعود سريعًا إلى مسؤولياته متنقلًا بين العواصم والمؤتمرات متحدثا بلغة واثقة ورؤية واضحة لاستعادة مكانة قطاع البترول عالميًا وبناء جسور الثقة من جديد كواجهة مشرفة لقطاع عريق.
عامان من الجهد المتواصل بين جهاز حفر في البحر وآخر في الصحراء وبين غرف الاجتماعات ودوائر صنع القرار لتتبلور ملامح قيادة لا تكتفي بإدارة المشهد من خلف المكاتب، بل تمزج بين الرؤية والحضور الميداني.
وتتساءل ما هذه المدرسة التي صنعت هذا النموذج؟ وما هي الثقافة التي شكلت عقلًا يرى هدفه بوضوح ويدرك الطريق إليه بخطوات محسوبة؟
هل هي الموهبة الفطرية، أم نوعية التعليم والتأهيل التي صقلت أدواته؟ أم هي المهنية الصارمة التي اكتسبها عبر سنوات طويلة في شركة شلمبرجير حيث لا يستمر إلا من يثبت يوما بعد يوم أن أداءه يتجاوز التوقعات؟
عرفه الجميع في سنوات قيادته لشلمبرجير مصر: هادئا متواضعا قريبًا من الجميع يتابع التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة وصاحب مبادرة لا ينتظر التوجيه بقدر ما يصنع الفارق. مختلفا في أسلوبه، يترك أثره عبر العمل لا الضجيج وعبر النتائج لا الشعارات. ولم تكن مبادراته عابرة، بل كانت مؤثرة؛ من دعم وتطوير بوابة مصر الرقمية للإنتاج والاستكشاف إلى الإسهام في دفع أعمال المسح السيزمي في خليج السويس ومناطق البحر الأحمر، بما فتح آفاقًا جديدة للاستكشاف.
ومنذ اليوم الأول لتوليه قيادة الوزارة بجناحيها؛ البترول والثروة المعدنية تحرك وفق رؤية واضحة ومنهج متماسك وخطة عمل محددة. وكان على رأس التحديات واحد من أعقد الملفات: سداد مستحقات الشركاء الأجانب التي تجاوزت 6 مليارات دولار في ظل أزمة طاحنة في النقد الأجنبي واستعادة ثقتهم بعد أن توقفت العديد من العمليات، بل وأُلقي على عاتق الهيئة توفير السيولة المحلية لتغطية الرواتب والمصروفات الأساسية.
لكن المفاجأة جاءت في قدرته على قلب المعادلة؛ سداد المستحقات واستعادة الثقة وعودة عجلة العمليات إلى الدوران. كنت أتعجب: أي وزير هذا الذي يسافر ليطرق أبواب الشركات العالمية لا طلبًا للدعم، بل إقناعًا بضرورة العمل وتعظيم الإنتاج؟ ثم يعود ليضع بثقة واحدة من أكبر حزم الحوافز لزيادة الإنتاج متحديًا التعقيدات وكأنه يقتحم أصعب الملفات بلا تردد.
وبهدوء لافت تجاوز القوالب التقليدية في إسناد مناطق الامتياز ليتم خلال عامين فقط إسناد عشرات المناطق في إنجاز غير مسبوق. عاصرنا وزراء بترول كثيرين جميعهم قامات واجتهدوا لكن تبقى الروح والعقلية التي يعمل بها كريم بدوي مختلفة… فيها نكهة الابتكار وانفتاح حقيقي على الإبداع وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
كما شهد قطاع الثروة المعدنية تحركات لافتة خلال الفترة الأخيرة شملت خطوات نحو إعادة هيكلته وتعزيز طابعه الاقتصادي بما في ذلك التوجه لتحويله إلى هيئة ذات طبيعة اقتصادية إلى جانب تكثيف جهود الترويج لمناطقه الاستثمارية أمام الشركات العالمية. وتعكس هذه التحركات محاولة لإطلاق إمكانات قطاع يُنظر إليه كأحد المصادر الواعدة لتنويع قاعدة الاقتصاد الوطني.
وفي السياق ذاته، تبرز قطاعات التكرير والبتروكيماويات كأحد أهم مجالات القيمة المضافة داخل منظومة البترول، حيث تمثل ركيزة أساسية لتعظيم العائد من الموارد الهيدروكربونية. ورغم ما تحقق من خطوات في هذا الاتجاه، فإن حجم الفرص المتاحة في هذه القطاعات يظل كبيرًا، ويستدعي تناولًا تفصيليًا أوسع لبحث إمكاناتها وتطوراتها المستقبلية
وربما لا يتسع المجال لذكر كل ما تحقق؛ فما نعرضه هنا ليس إلا غيضًا من فيض. فالتحديات لا تزال قائمة ما بين تعقيدات إجرائية وروتين متراكم قد يبطئ الخطى أو يهدد بعض الإنجازات. ومع ذلك لا يتراجع، بل تجده حاضرًا في التفاصيل يقود بهدوء وتواضع مدفوعًا بإيمان واضح بما يفعل.
قد لا تكون الأدوات دائمًا على قدر طموح هذا (الحصان القوي) وقد تكون التركة الثقيلة عبئًا لكن الأمل يظل معقودًا على نماذج قادرة على التغيير تمتلك الإرادة والرؤية. هؤلاء هم حملة مشاعل المسؤولية الذين يُراهن عليهم في حفظ واستمرار مسيرة التنمية.
يبقى اليقين أن القادم يحمل ملامح مختلفة وأن الجميع مدعوون لرفع سقف الطموح لمواكبة هذه الرؤية. فمصر تمتلك المقومات والقطاع يملك الفرصة والحلم ليس بعيدًا: الاكتفاء من الطاقة وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي وعالمي لتداول البترول والغاز… حين تتكامل الرؤية مع العمل وتتوفر الإرادة مع الإمكانات.