مجرد رأي: تاريخ لا يُنسى.. ٢٨ يناير اليوم المشهود
السماء تُظلِّل البلاد والعباد بأقدار قد كُتبت وأُذِن لها بالنزول. يوم الجمعة ٢٨ يناير، منذ خمسة عشر عاماً، كان يوماً من أمجد أيام تاريخ مصر الحديث. الأجواء مشحونة لـ«جمعة الغضب»، والجميع يترقب ولا يدري ماذا سيحدث بعد ساعات قليلة.
فُتحت المساجد أبوابها للمصلين، والجميع في حيرة لا يعرف ماذا تُخَبِّئه الأحوال والأقدار. انتهت الصلاة، ولا تعرف من أين جاءت الصيحة؟ صيحة انطلقت في كل مساجد مصر في توقيت واحد، ولا نعرف حتى الآن من صاحبها. ربما كان صوتاً من السماء.
انطلقت الحناجر بدون ترتيب أو تنظيم، واعتملت الصدور بغضبٍ مدفون: حيّ على الجهاد. خرجت الجموع غاضبة على شهداء الأمس الذين ضحّوا بأعمارهم ليغيّروا حاضر بلادهم ومستقبلها. كانوا مجموعة شباب من أطهر من أنجبت مصر، لم تلوثهم السياسة ودهاليزها وأطماعها. هم الورود التي تفتحت في جنائن مصر.
طلباتُهم بسيطة ومشروعة: أن يحصلوا على فرصتهم في الحياة. خرجت الحشود من المساجد تهتف مدوية: عيش – حرية – عدالة اجتماعية. تهاوت صروح الظلم في لحظات، وانكشفت حُجُب السماء: إني مؤيدكم بألفٍ من الملائكة مسوّمين، كل واحدٍ منهم بألف ألف.
من القاهرة – التحرير، إلى القائد إبراهيم في الإسكندرية، إلى الغريب في السويس، بلد الرجال والبطولة. ملحمة خاضها الشعب بطول مصر وعرضها، من أروع ملاحم هذا القرن ضد قلاع الظلم والطغيان. كان يوماً مشهوداً أصبح فيه ميدان التحرير أيقونة ثورات العالم ومحط الزيارات الدولية، وكأنه بات ساحة مقدسة للعدالة والمبادئ، بعد أن اعتبرها العالم، في مرتبة الثورة الفرنسية المجيدة، أعظم ثورات العالم.
لم تكن أبداً هولاً، ولكن عيداً من أعياد انتصار العدالة. كان يوماً خالداً في تاريخ هذه البلاد. يوم توحدت فيه قوى الشعب بلا غرض أو طلب لعرض الدنيا. يوم ضحّى فيه الشعب من أجل بلاده فقط ومستقبل أولاده.
منحتنا السماء بركتها في ومضة نور كليلة قدرٍ مباركة، ثم أغلقت أبوابها لعلّنا نُقدّر منحتها ونعمل عليها. أيام الفرح قليلة والحزن كثير، وللحسرة كان هذا اليوم آخر يوم من أيام الفرح، أيام الثورة الطاهرة النقية، قبل أن يتلوث ثوبها بقفز الإخوان وأتباعهم من الشياطين على دماء الشهداء. ويعلم الله أنهم لم يكونوا أبداً أصحاب ثورة أو تضحية.
أفسدت شياطين الإنس هذه النفحات، وأُطفئت تلك الأنوار، وهي تعلن عن رغباتها المشؤومة وتفصح عن مكنون أطماعها في إثارة الفوضى ونهب ونهش جسد هذا الوطن بكل دناءة وقسوة. والحقيقة تقول إن هناك طوائف من الشعب، للأسف، كانت تتوق لأيام من الفوضى لتحقق كل ما هو ضد القانون.
هكذا أفسد علينا الإخوان المنحة الربانية، وعاد قابيل ليقتل أخاه هابيل من جديد، وسالت الدماء، وتعالت أصوات الغضب والشر، ودخل الجميع في سباق لتحقيق المكاسب، واختفت تراتيل الملائكة، وانقلبت الآية لتكون ساحة حرب وتشاحن وفرض واقع من الفوضى، وخطف أيٍّ مما يحقق مصالح شخصية أو فئوية رخيصة. وضاعت هبة السماء، وكان للقدر بعدها حديث آخر. والسلام،،
#سقراط