لطائف و قطائف … سمير زايد (28)
قضيتُ شهرَ رمضانَ المبارك كاملاً وأنا أُحلِّق بفكري وروحي في رحاب الآيات (183–186) من سورة البقرة، لا لأنّها مجرد آياتٍ تتحدث عن فريضة الصيام، بل لأنها منهجٌ متكامل لبناء الإنسان، وصياغة القلب، وتزكية الروح. وقد وجدتُ أن الوقوف عند هذه الآيات، وتأمّل معانيها، يفتح أبوابًا من الفهم لا تنتهي، ويُشعر المرء أنّه لم يكن يقرأ القرآن من قبل، بل كان يمرّ عليه مرورًا عابرًا.
تبدأ الآية 183 بنداءٍ إلهيٍّ عظيم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"، وهذا النداء في ذاته تكريمٌ وتشريف، ثم يأتي التكليف: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ"، وكلمة "كُتب" تدل على الفرض واللزوم، ولكنها تأتي محاطةً بحكمةٍ بالغة: "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ"، ليشعر المؤمن أنّه يسير في موكب الإيمان عبر العصور، ثم تأتي الغاية الكبرى: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، وهنا تتجلّى حقيقة الصيام؛ فهو ليس امتناعًا عن الطعام والشراب، بل مدرسة لصناعة التقوى.
ثم تأتي الآية 184 لتُظهر رحمة التشريع ويسره، فتتحدث عن الرخص، وعن مراعاة أحوال الناس، وكأنها تقول: إنّ الله لا يريد بنا العسر، بل يريد أن نُقبل عليه بقلوبٍ مطمئنة. وفي ذلك درسٌ عظيم: أنّ العبادة ليست تعذيبًا للنفس، بل تهذيبٌ لها.
أما الآية 185، فهي تاج هذه المجموعة، إذ تُعلن عن شرف الزمان: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ"، فترتبط فريضة الصيام بأعظم حدثٍ في تاريخ البشرية: نزول القرآن. وهنا أدركتُ أنّ رمضان ليس شهر الجوع، بل شهر القرآن، شهر الهداية، شهر العودة إلى كتاب الله. ثم تؤكد الآية مرة أخرى قاعدة اليسر: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"، وكأنها تُطمئن القلوب وتفتح أبواب الرجاء.
وتأتي الآية 186 كأنها همسةٌ ربانية، قريبةٌ من القلب: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ"، بلا واسطة، بلا تعقيد، قربٌ مباشر بين العبد وربه. وهنا يبلغ الخطاب ذروته الروحية، إذ ينتقل من الحديث عن الصيام كعبادةٍ ظاهرة إلى الدعاء كصلةٍ باطنة، ليُبيّن أن الغاية ليست الجوع، بل الوصول.
لقد أدركتُ من خلال تدبري لهذه الآيات أنّ القرآن لا يُقرأ فقط، بل يُعاش. وأنّ كل كلمة فيه تحمل معاني لا تُحصى، وأنّ الوقوف عند آية واحدة بتأملٍ صادق قد يفتح للإنسان من الفهم ما لا تفتحه قراءة صفحاتٍ كثيرة بلا تدبر.
إنّ تدبّر القرآن ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة إيمانية. هو الذي يُحوّل النص إلى حياة، والكلمات إلى نور، والأحكام إلى سلوك. ومن لم يتدبّر القرآن، فقد فاته خيرٌ عظيم، لأنه حرم نفسه من أعظم هداية.
ولهذا قضيتُ رمضان بين هذه الآيات، أعود إليها مرة بعد مرة، أكتشف في كل مرة معنى جديدًا، وأشعر أنّها تُخاطبني أنا، وتُربّيني أنا، وتُعيد تشكيل قلبي من جديد. فهنيئًا لمن جعل القرآن رفيقه، وجعل التدبر طريقه، وجعل من رمضان بدايةً لا نهاية.
رمضان كريم