السبت 07 نوفمبر 2026 الموافق 27 جمادى الأولى 1448

فتنة تعاقب القيادات.. لاتبنوا السقف قبل الأساس أم تريدون جمع أسماء

235
المستقبل اليوم

فكرة تعاقب القيادات، وأن يرشح كل مسؤول ثلاثة أشخاص يمكنهم خلافته، تبدو على الورق جميلة ومنظمة، وتعكس اهتمامًا باستمرار المؤسسات وعدم ارتباطها بأشخاص. لكن بين جمال الفكرة ونجاح تطبيقها مسافة كبيرة، لا تختصرها قائمة أسماء يتم رفعها إلى جهة أعلى، ولا استمارة تُملأ لإثبات أن لدينا صفًا ثانيًا جاهزًا للقيادة.

فإذا بدأنا باختيار البدلاء قبل إعدادهم، نكون كمن يبني بيتًا قبل أن يضع أساسه، أو يشتري سيارة سباق فاخرة، ثم يكتشف أنه لم يجهز محركها ولم يضع فيها الوقود!

المشكلة ليست في مبدأ تعاقب القيادات، فهو ضرورة لأي مؤسسة تريد الاستمرار، وإنما في اختزاله في سؤال المدير الحالي: من ترشح ليجلس مكانك؟ بينما السؤال الذي يجب أن يسبق ذلك هو: ماذا فعلنا أصلًا لإعداد من يستحقون الجلوس على هذا المقعد؟

ترشيح الرئيس المباشر قد يكون مدخلًا للاستدلال على الكفاءات، لكنه لا يصلح وحده أساسًا للاختيار،فليس كل مدير قادر على اكتشاف من هو أفضل منه، وليس كل مسؤول متحرر من حسابات القرب والولاء والارتياح الشخصي، وقد يميل البعض إلى اختيار الأكثر موافقة، والأقل اعتراضًا، والأقدر على إخفاء العيوب، بينما يستبعد صاحب الرأي والكفاءة لأنه يسبب له إزعاج بأسئلته وملاحظاته.

وهنا يصبح الخطر أن نعيد إنتاج الإدارة نفسها، بأخطائها وطريقتها وحدود تفكيرها، ثم نطلق على ذلك اسم (تعاقب القيادات)!

ولهذا يجب أن يكون الترشيح بداية للفحص، لا قرار مسبق بالتأهيل أو التعيين، وأن تُتاح فرصة عادلة للكفاءات التي لم يرشحها رؤساؤها، حتى لا يتحول رأي مسؤول واحد إلى بوابة وحيدة للمستقبل.

ثم إن اختيار القيادات يفترض وجود قاعدة بشرية قوية يمكن الاختيار منها، فمن أين نأتي بالبديل إذا كانت المستويات الوظيفية التي يفترض أن تصنعه تعاني ضعف الحافز، وضيق فرص التعلم، والشعور بأن الاجتهاد لا يصنع فارقًا؟

لا يمكن أن نطلب من موظف أن يطور نفسه، ويتحمل مسؤوليات إضافية، ويبتكر حلولًا، بينما يرى أن المتميز والمقصر يحصلان على التقدير نفسه، أو أن العلاقات تسبق الكفاءة عند توزيع الفرص.

البداية الحقيقية، في تقديري، هي عدالة منظومة الأجور والحوافز، والعدالة هنا تعني أن يشعر العامل بأن دخله يتناسب مع طبيعة عمله، وخبرته، ومسؤوليته، وما يقدمه من نتائج، وأن تكون الفروق مفهومة وقابلة للتفسير.

في قطاع البترول، يحتاج المهندس والفني وصاحب التخصص الدقيق إلى أسباب حقيقية للبقاء والتطور. وحين تفقد المؤسسة كفاءاتها لأن فرصًا أخرى تمنحها تقديرًا أفضل، فإنها تخسر معها خبرة تراكمت على مدار سنوات، وقدرة على تدريب جيل جديد.

ومن الضروري أن يرتبط جزء واضح من الحوافز بالإنتاجية، وجودة الأداء، وحل المشكلات، وخفض الهدر، والالتزام بالسلامة. فمن يمنع عطلًا متكررًا، أو يحسن كفاءة التشغيل، أو يقدم حلًا يوفر نفقات، يجب أن يرى أثر ذلك في تقييمه وتقديره، وفق معايير معلنة تراعي اختلاف طبيعة الوظائف.

وبالتوازي، يجب أن يتحول التأهيل إلى التزام مؤسسي. فلا يصح أن تظل الدورات التدريبية مجرد شهادات تُضاف إلى الملفات، بينما يظل أثرها غائبًا عن العمل.

لكل درجة إدارية متطلبات يجب استيفاؤها قبل توليها. فالمرشح لإدارة فريق يحتاج إلى مهارات تختلف عن المرشح لإدارة قطاع كامل. وإدارة الأزمات، والتخطيط، وقراءة المؤشرات المالية، والتحول الرقمي، وإدارة الأفراد، كلها أدوات ينبغي أن تدخل ضمن مسارات تأهيل واضحة، مع تقييم جاد لما تعلمه المرشح وقدرته على تطبيقه.

كذلك يجب تشجيع الدراسات العليا والدبلومات المهنية المرتبطة بالعمل، من خلال تعاون منظم مع الجامعات والمؤسسات المتخصصة، وإتاحة الوقت والدعم وفق ضوابط عادلة.

لكن علينا أن نحذر من استبدال أقدمية السنوات بأقدمية الشهادات. فالمؤهل الأعلى يدعم صاحبه عندما ينعكس على أدائه، أما الشهادة وحدها فلا تضمن حسن الإدارة. ويمكن اشتراط تأهيل تخصصي مناسب لبعض المناصب، مع الاعتراف بالمسارات المهنية المعتمدة والخبرة التطبيقية التي تثبتها اختبارات جادة.

والأهم أن نختبر المرشح في المواقف التي سيواجهها، بدلًا من الاكتفاء بما يقوله عن نفسه أو يقوله رئيسه عنه.

لماذا لا تكون لدينا مراكز تقييم مستقلة عن جهة الترشيح، تضع المرشحين أمام مشكلات واقعية؟ عطل يؤثر في الإنتاج، أو أزمة سلامة، أو خلاف داخل فريق، أو موازنة محدودة تتطلب ترتيب الأولويات. عندها نستطيع أن نرى كيف يفكر المرشح، وكيف يوازن بين البدائل، وهل يتحمل المسؤولية أم يبحث سريعًا عمن يلقيها عليه.

ولماذا لا يقدم كل مرشح للترقية مشروع تطوير يعالج مشكلة قائمة في شركته؟ مشروعًا لتحسين الصيانة، أو خفض استهلاك الطاقة، أو تقليل الفاقد، أو تبسيط دورة المستندات، على أن يتضمن تكلفة التنفيذ، والعائد المتوقع، والمدة، ومؤشرات قياس النجاح. ثم يُناقش أمام لجنة متخصصة، وتُتابع نتائجه إذا جرى تطبيقه.

هكذا يصبح التأهيل فرصة لتحسين المؤسسة نفسها، ويصبح الاختيار قائمًا على دليل يمكن مراجعته.

ومن الأدوات المهمة أيضًا التدوير الوظيفي المدروس، بحيث يكتسب المرشح خبرة في إدارات مترابطة مع تخصصه، ويفهم كيف يؤثر قراره في بقية المنظومة. ويجب أن يتم ذلك دون إهدار التخصص أو نقل الأشخاص لمجرد استكمال إجراء شكلي، مع توثيق الخبرات ونقل المعرفة قبل مغادرة أصحابها.

غير أن كل هذا سيظل ناقصًا إذا تجاهلنا سؤالًا أساسيًا: أين الأجيال الجديدة التي ستدخل هذه المسارات؟

حين تتوقف التعيينات لسنوات في بعض الشركات، بينما يستمر خروج أصحاب الخبرات إلى المعاش، تتسع الفجوة بين الأجيال، ويصبح الحديث عن إعداد الصفوف التالية أصعب مع مرور الوقت.

والاعتماد الممتد على عمالة المقاولين لتغطية احتياجات دائمة يستدعي مراجعة جادة. فبين هؤلاء مهندسون وفنيون وإداريون عملوا داخل الشركات، وأثبت بعضهم كفاءة والتزامًا ومعرفة بتفاصيل التشغيل. ومن المنطقي دراسة فتح مسار تنافسي لاستيعاب المتميزين منهم، وفق الاحتياج الفعلي والضوابط المنظمة، وباختبارات معلنة تضمن العدالة، دون تحويل الأمر إلى تعيين تلقائي أو باب جديد للمجاملة.

أما تحديد نسبة سنوية للاستيعاب، فيجب أن يأتي نتيجة دراسة الاحتياجات والقدرة المالية، حتى تحقق التعيينات غرضها وتسد العجز في موضعه الصحيح.

ويسبق ذلك كله حصر دقيق لأعداد العاملين وتخصصاتهم، ومن سيخرجون إلى المعاش خلال السنوات المقبلة، والوظائف الحرجة، والوقت اللازم لإعداد بدائلها.

ولا يكفي أن نعلن متوسط أعمار العاملين ثم نطمئن أو نقلق بناءً عليه؛ فالمتوسط قد يخفي إدارة كاملة تقترب من التقاعد، أو تخصصًا حساسًا لا يملك بديلًا جاهزًا. المطلوب خريطة واضحة للأعمار والخبرات والاحتياجات، وخطة تضمن انتقال المعرفة قبل أن تغادر المؤسسة بخروج أصحابها.

تعاقب القيادات يبدأ من أول يوم يدخل فيه الموظف الشركة: كيف يتعلم؟ ومن يدربه؟ وكيف يُقيّم؟ وهل يحصل على حقه؟ وهل يجد طريقًا واضحًا للتقدم إذا اجتهد؟

وفي قلب هذه الأسئلة تبقى الكرامة المعيشية. فمن الصعب أن نطالب إنسانًا بتركيز كامل وإبداع متواصل، بينما يطارده القلق على احتياجات أسرته الأساسية. وحين تتسع المسؤوليات، يجب أن يصاحبها تقدير مادي ومهني يناسبها، ومساءلة واضحة عن نتائجها.

وهذا لا ينتقص من نزاهة محدودي الدخل؛ فالنزاهة لا يحددها الراتب، وقد تحمل كثيرون ضيق العيش وظلوا مثالًا للأمانة. لكن مسؤولية المؤسسة أن توفر ظروفًا تساعد الكفء على العمل والاستمرار، وتخفف عنه ضغطًا يستهلك طاقته وذهنه.

فكرة تعاقب القيادات تستحق أن تنجح، ونجاحها يحتاج إلى ما هو أبعد من ترشيح ثلاثة أسماء: أجور عادلة، وتدريب جاد، وفرص متكافئة، وتقييم مستقل، وتجديد محسوب للكوادر، ومحاسبة على النتائج.

قبل أن نطلب من كل مدير أن يختار ثلاثة يخلفونه، علينا أن نسأل: ماذا قدمت المؤسسة حتى يكون لديها ثلاثة يستحقون الاختيار؟

#المستقبل_البترولي




تم نسخ الرابط