مجرد رأي: مفاجأة بتوقيت البترول
أكثر ما يهم صناع القرار في وقتنا الحالي هو تحقيق المفاجأة مع الحفاظ على المعنى المادي والنفسي لها، بعد أن تطورت الحياة من حولنا بالشكل الذي نعيشه من وسائل الاتصالات ووسائل التصوير والإنترنت وطابور طويل من الأدوات التكنولوجية، أصبحت المفاجأة بعيدة المنال وسلعة غالية، لأن أغلب الأحداث والأفكار أصبحت مكشوفة حتى قبل حدوثها.
وسياق الأحداث يوضح مدى عمق صناعة المفاجأة التي أصبحت تقوم عليها دول بأجهزتها، تجد اتفاقية تظهر للعلن في صباح يوم بدون سابق إنذار تربك الحسابات الاقتصادية والسياسية، وصفقة سلاح لم يُعلن عنها في الواجهة تصيبك بالحيرة وعدم القدرة على استيعابها وتحليل أسبابها ومعرفة مغزاها في هذا الوقت، ويبدو أيضًا أن توقيت إعلان المفاجأة أصبح علمًا في حد ذاته له دلالاته وأبعاده وتأثيره.
وصناعة المفاجأة في قطاع البترول علم قديم وله تاريخ طويل من الأحداث والقيادات التي قامت عليه وكانت بارعة في تنفيذه، وتبدو عادة المفاجأة الصعبة في قطاع البترول في كل ما يخص موقف القيادات وتنقلاتها وترقياتها على وجه التحديد، لا تجد مثلًا مفاجأة مدوية لاكتشاف كبير أو حادث هائل راح ضحيته عدد من الأرواح ويكون له نفس تأثير الإطاحة بقيادة أو نقل أخرى أو ترقية فلان بدلًا من آخر أو كتابة سطرين على واحد من ساكني الديوان، وذلك على خلاف التوقع.
كانت هناك قيادات محترفة بالفعل في صناعة المفاجأة، وكانت لهم طرقهم وأساليبهم في فن تلك الصناعة، تراه هادئًا في احتفال وهو يعلم أن بعد ساعات ستصدر حركة تطيح بأغلب المحيطين من حوله، على الرغم من حرارة ترحيبه بهم وأحاديثه الودودة معهم!!
كانت هناك مفاجآت مدوية في زمن سامح فهمي، وأقال رؤساء شركات بطريقة دراماتيكية، ومنهم من رفض تنفيذ القرار وتقدم باستقالته من هول المفاجأة، لقد هدأت وتيرة المفاجآت بعد قيام الثورة والأجواء المضطربة التي مرت بالقطاع بعدها، وهدأت بشكل كبير في عهد المهندس شريف إسماعيل، واستطاع امتصاص الكثير من التوتر وأعاد الاستقرار بشكل كبير إلى أروقة الشركات بدون مفاجآت أو قرارات مدوية، بل وساعد قيادات اتُّهمت بالانتماء إلى الإخوان وعمل على توضيح موقفها بشكل هادئ ورزين، لأن المفاجأة جاءت من خارج الوزارة هذه المرة.
ولكن صناعة المفاجأة اشتعلت وبشكل عنيف في عهد المهندس طارق الملا، لأن أغلب الحركات التي ظهرت في عهده كانت بطريقة مفاجئة قاسية وأصابت الكثيرين بالحسرة وخيبة الأمل، بل اعتقد البعض أن حركات هذا العهد كان سبيلها الوحيد هو الإطاحة فورًا بمجرد الشبهة ومخصصة للتنكيل بجيل محدد لم يكن مرغوبًا في مشاركته، وأصابت معظمهم بالكمد والحسرة، وفي نفس الوقت عملت على ظهور مجموعة قيادات جديدة كان لها ظهير خبرة سابق أو معرفة مع قيادات الوزارة المحيطة بطارق الملا في هذا الوقت.
صناعة المفاجأة أصبحت علمًا صعبًا في عالمنا اليوم، والحديث فيه يطول ويتشعب، ولكن المشكلة الحقيقية أن أغلبها بات مثيرًا للحزن والارتباك، لأن المفاجأة السيئة عادة ما يتم الإعداد لها جيدًا وتأثيرها مباغت وسريع...وقانا الله شر مفاجآت هذه الأيام. والسلام،،
#سقراط