الأحد 20 سبتمبر 2026 الموافق 09 ربيع الثاني 1448

هشام عياد يكتب: الزلزال النفطي..هل تُحرق ثروات الخليج من أجل نفط فنزويلا؟

102
المستقبل اليوم

لم تعد المعركة الدائرة حول نفط الخليج مجرد صراع إقليمي على النفوذ أو مواجهة عسكرية تحكمها حسابات الأمن والسيادة ، بل باتت تطرح تساؤلات استراتيجية تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى مستقبل أسواق الطاقة العالمية وإعادة رسم خريطة المصالح الاقتصادية ، ومن سيكون الرابح الأكبر من واحدة من أخطر الأزمات التي يشهدها العالم.
إن استهداف منابع النفط الخليجية وتعطيل صادراتها وإغلاق مضيق هرمز وتصاعد التهديدات التي تطال مضيق باب المندب، كلها تطورات تضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار بالغ القسوة وتفتح الباب أمام قراءة أوسع للمشهد لا تكتفي بتتبع الصواريخ والطائرات المسيرة ، وإنما تبحث في خريطة المستفيدين من هذا الاضطراب ، وفي القوى التي قد تجد في اشتعال المنطقة فرصة لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية غير مسبوقة.
فإغلاق مضيق هرمز الذي يمثل شريانا حيويا لتجارة النفط العالمية، لم يعد مجرد ورقة ضغط إيرانية في مواجهة الولايات المتحدة ، بل تحول إلى عامل تهديد مباشر لأمن الطاقة، وأداة قادرة على إرباك اقتصادات الدول المستوردة ورفع تكاليف الإنتاج والنقل وإشعال موجات تضخمية قد تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.
ومع تصاعد التهديدات في مضيق باب المندب، تتسع دائرة الخطر، 
إذ لم يعد الأمر متعلقا بممر ملاحي واحد، بل باحتمال تعرض شرايين الطاقة والتجارة العالمية لاختناق مزدوج يضع دول الخليج أمام تحديات غير مسبوقة في تصدير نفطها ويجعل الأسواق العالمية رهينة لمعادلات عسكرية وسياسية شديدة التعقيد. 
وقد عكست التطورات الميدانية الأخيرة في اليمن بالتزامن مع اضطراب الملاحة في هرمز حجم المخاطر التي باتت تحيط بأمن الإمدادات النفطية الخليجية.
ومن هنا تبرز فرضية تستحق البحث والتدقيق حول ما إذا كانت هذه الفوضى مجرد نتيجة لتصادم المصالح والصراعات الإقليمية والدولية، أم أنها قد تتحول بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى فرصة تخدم استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة تشكيل سوق النفط العالمي وتعزيز السيطرة الأمريكية على مصادر الطاقة ومسارات تدفقها.
وقد ازدادت أهمية هذه الفرضية مع التطورات المرتبطة بالنفط الفنزويلي، والاتفاقات التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن السيطرة على احتياطيات فنزويلا النفطية والاستفادة منها. فواشنطن التي تمتلك بالفعل قدرات إنتاجية وتكريرية هائلة باتت تتحرك في بيئة دولية تتيح لها توسيع نفوذها في سوق الطاقة، بينما تواجه الدول المنافسة والمستوردة للنفط تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها.
وهنا يصبح من المشروع تحليل ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى توظيف الاضطراب في الخليج والضغوط المفروضة على صادراته لفتح أسواق أوسع أمام النفط الفنزويلي وإعادة توجيه تدفقات الطاقة العالمية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
لكن الفارق كبير بين وجود مصلحة أمريكية محتملة في هذه التطورات، وبين الجزم بوجود مؤامرة دولية محكمة تشارك فيها إيران عمدا  لتحقيق أهداف ترامب النفطية. 
فإن تصريحات ترامب بشأن الاحتفاظ بالنفط الإيراني أو الاستفادة منه على غرار الترتيبات الأمريكية في فنزويلا ، تفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مدى ارتباط القوة العسكرية الأمريكية بحسابات السيطرة على موارد الطاقة ، وحول الحدود الفاصلة بين حماية المصالح الاستراتيجية والسعي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من الحروب.
فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى توسيع نفوذها في قطاع النفط الفنزويلي ، فإن السؤال الاقتصادي الأهم يتعلق بقدرة المصافي العالمية على استيعاب هذا النفط، ومدى استعداد الشركات الكبرى لتغيير مصادر إمداداتها وفقا للضغوط السياسية الأمريكية.
فهل يمكن أن تتحول القوة الأمريكية إلى أداة لإعادة توجيه قرارات شركات التكرير، ودفعها إلى إعطاء الأولوية للخام الفنزويلي، حتى لو جاء ذلك على حساب مصالحها التجارية أو علاقاتها التقليدية بموردي النفط الخليجيين.
إن مثل هذا السيناريو إن ثبتت ملامحه لن يكون مجرد صفقة نفطية عابرة، بل تحولا في طبيعة العلاقة بين السياسة والطاقة، بحيث تصبح الحروب والأزمات أدوات ضغط لإعادة ترتيب الأسواق وفرض معادلات جديدة على الدول المنتجة والمستهلكة على السواء.
وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل ما قد يترتب على تراجع صادرات الخليج من إضعاف نسبي لموقعه في سوق الطاقة وإرباك علاقاته مع كبار المستوردين وفي مقدمتهم الصين والهند والدول الأوروبية. 
كما أن استمرار اضطراب الإمدادات قد يفرض على هذه الدول البحث عن بدائل أكثر كلفة أو الدخول في ترتيبات جديدة لتأمين احتياجاتها، بما يعيد توزيع النفوذ الاقتصادي بين القوى الكبرى.
أما روسيا والصين فإن أي محاولة لإعادة تشكيل سوق النفط على نحو يقلص خياراتهما أو يفرض عليهما مصادر إمداد بعينها، ستصطدم حتما بحسابات سيادتهما الاقتصادية والاستراتيجية وبمساعيهما إلى تنويع مصادر الطاقة وتأمين احتياجاتهما بعيدا عن الضغوط السياسية الخارجية.
والأخطر من ذلك أن استمرار استهداف البنية التحتية النفطية، وتقييد حركة الناقلات، وتهديد الممرات البحرية قد يدفع العالم إلى أزمة طاقة لا تتوقف عند ارتفاع أسعار الوقود، وإنما تمتد إلى قطاعات الصناعة والنقل والغذاء والتجارة الدولية لتتحول الأزمة النفطية إلى أزمة اقتصادية شاملة تتآكل معها مكتسبات التنمية، وتتعرض خلالها الدول الغنية منها والفقيرة لضغوط مالية واجتماعية متزايدة.
وفي قلب هذا المشهد تقف إيران باعتبارها طرفا رئيسيا في المواجهة، لكنها قد تجد نفسها أيضًا جزءًا من معادلة تتجاوز حساباتها المباشرة، سواء أدركت أبعادها كاملة أو لم تدركها. 
فالحروب لا تضمن دائما أن تكون نتائجها في مصلحة من أشعلها، وقد يتحول الطرف الذي يعتقد أنه يمتلك أوراق الضغط إلى أداة في صراع أكبر، تتوزع مكاسبه وخسائره على نحو مختلف عما تصوره مخططوه.
ولعل أخطر ما في المشهد أن تتحول المنطقة العربية إلى ساحة تستنزف فيها الثروات، وتعطل فيها مسارات التنمية، بينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ والمكاسب، ويجد العرب أنفسهم أمام واقع جديد تتراجع فيه قدرتهم على التأثير في أسواق الطاقة، رغم أنهم يمتلكون جزءًا رئيسيا من مقدراتها.

إن ما يحدث اليوم يفرض على 
العرب مراجعة شاملة لمواقفهم، ليس فقط تجاه إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل، وإنما تجاه مستقبل الأمن القومي العربي ذاته. 
فالصمت أمام استهداف مقدرات المنطقة أو الاكتفاء بردود الفعل المنفردة، لن يحمي الثروات الخليجية من الاستنزاف، ولن يمنع انتقال نيران الصراعات إلى بقية العواصم العربية.
إن الدول الخليجية التي حققت نهضة اقتصادية واستثمارية هائلة على مدار عقود، بفضل ثرواتها النفطية ورؤيتها التنموية، قد تجد نفسها أمام تحديات تهدد جانبا من هذه المكتسبات، إذا استمرت حالة الاستنزاف وتواصل تعطيل الصادرات وتراجعت الثقة في استقرار المنطقة. 
وما بني خلال عقود من العمل والتنمية قد يتعرض لضغوط قاسية في سنوات قليلة إذا أصبحت الحروب هي الحاكم الفعلي لمستقبل الطاقة.
والعرب في تقديري يدركون جانبا كبيرا من مخاطر هذا المشهد، 
لكن الإدراك وحده لا يكفي، 
كما أن الخوف من ردود الفعل الدولية أو الحسابات السياسية الضيقة لا ينبغي أن يتحول إلى حالة من الاستسلام للأمر الواقع. 
فالأيدي التي تخشى أن تمتد بالعون خشية أن يطالها البطش، قد تجد نفسها يوما عاجزة عن حماية أصحابها، حين تصبح الأخطار أكبر من قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة.
وهنا تبرز مصر ليس باعتبارها بديلا عن دول الخليج، ولا باعتبارها صاحبة عصا سحرية لإنهاء الصراعات، 
وإنما باعتبارها دولة عربية محورية تمتلك ثقلا سياسيا واستراتيجيا، وخبرة تاريخية في التعامل مع الأزمات الإقليمية وقدرة على التحرك في دوائر عربية وإفريقية ودولية متشابكة.
إن مصر التي تواجه بدورها تحديات اقتصادية وضغوطًا إقليمية معقدة، لا يمكن مطالبتها وحدها بتحمل أعباء إنقاذ المنطقة، لكنها قادرة إذا توافرت الإرادة العربية المشتركة، على أن تكون محورا لتحرك جماعي يعيد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي، ويحول دون انفراد القوى الخارجية بتحديد مصير المنطقة وثرواتها.
ولذلك، فإن احتياج العرب إلى مصر في هذه اللحظة ليس احتياجا ماليا أو استثماريا بقدر ما هو احتياج إلى دور سياسي واستراتيجي جامع، وإلى رؤية عربية قادرة على تحويل المصالح المتفرقة إلى موقف مشترك. فالعلاقات الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلا عن التضامن السياسي، ولا أن تحل محل الشراكة الحقيقية في مواجهة الأخطار الوجودية.
ومصر ليست في حاجة إلى أن تقدم لها الدول العربية شهادة اعتراف بدورها، بقدر ما تحتاج إلى أن تجد إرادة عربية تؤمن بأن أمن الخليج من أمن مصر، وأن أمن مصر من أمن الخليج، وأن استقرار أي دولة عربية لا يمكن فصله عن استقرار بقية الدول.
إن اللحظة الراهنة لا تحتمل المزيد من الانقسام، ولا تسمح بأن تظل الدول العربية أسيرة حسابات آنية، بينما تتغير خرائط النفوذ والطاقة من حولها. 
فإما أن يتحول الخطر المشترك إلى نقطة انطلاق لتضامن عربي حقيقي، أو تظل المنطقة تدفع أثمان صراعات لا تملك وحدها تحديد نهاياتها.
قد لا تكون كل الخيوط واضحة، وقد لا تكون فرضية المؤامرة الدولية قد ثبتت بكل تفاصيلها، لكن المؤكد أن نتائج الصراع الدائر قد تعيد تشكيل سوق الطاقة وموازين القوة في العالم، وأن الخاسر الأكبر قد يكون من يكتفي بمشاهدة المشهد دون أن يمتلك القدرة على التأثير فيه.
إن مصر ليست مجرد دولة يمكن للعرب الاستعانة بها عند اشتداد الأزمات، بل هي ركيزة أساسية في أي مشروع عربي جاد للنجاة من العواصف المقبلة. 
وإذا أراد العرب العبور إلى بر الأمان، فعليهم أن يدركوا أن مصر القوية، والخليج المستقر، والتضامن العربي الحقيقي ليست مصالح متعارضة، وإنما أضلاع معادلة واحدة لا يمكن أن يستقيم مستقبل المنطقة من دونها.
فهل تكون هذه الأزمة بداية لاستعادة التضامن العربي، أم محطة جديدة في مسلسل استنزاف الثروات وتفكيك المصالح المشتركة، بينما يعيد الآخرون رسم خريطة المنطقة على حساب الجميع.

هشام عياد




تم نسخ الرابط