السبت 19 سبتمبر 2026 الموافق 08 ربيع الثاني 1448

مجرد رأي:البيع له أصوله وقواعده ولا تنسوا الماضي

182
المستقبل اليوم

تخرج الحكمة عادةً من أكثر المواقف فيها طرافة، أو من أفواه المجانين كما يقولون، والمشهد العبقري للراحل علاء ولي الدين في فيلمه «الناظر»، عندما ذهب ليخطب «فوفا»، تلك الشخصية الكاريكاتيرية، فوجد عندها الأطباء وتعاني من سكرات الموت، هو من أكثر المشاهد طرافة وكوميديا، ولكن في حقيقته ودلالاته يحمل أهم قواعد البيع والشراء، وهي ضرورة توافر الحالة الجيدة والوضع الممتاز.

هذه هي نفس القواعد التي تطبقها شركات البترول الكبرى فيما تبيع أو تشتري، وكثرة الحديث عن تخارج شركة BP من بعض مناطقها في مصر، وما صاحب ذلك من تحليلات وتكهنات تتحدث عن أن ذلك نتيجة انهيار اقتصادي أو وضع متردي لقطاع البترول، عليه أن يراجع جيداً عمليات التخارج التاريخية التي تمت في قطاع البترول منذ سنوات طويلة.

وهناك أمثلة لشركات تخارجت أو باعت امتيازاتها بعد تحقيق نتائج مذهلة واكتشافات كبيرة وضخمة، وكانت في أقوى حالة اقتصادية لها، مثلاً، تخارجت ريبسول الإسبانية وباعت أسهمها في مصر مباشرة بعد تحقيق اكتشاف قارون الكبير، الذي تحقق بعد اختبار بئر الصاغة-3 عند 12 ألف برميل زيت/يوم في الصحراء الغربية، وكان اكتشافاً تحدث عنه القاصي والداني آنذاك، وتأسست شركة قارون نتيجة له.

أيضاً باعت شركة فيجاس اليونانية جزءاً كبيراً من حصتها في امتياز علم الشاويش بعد تحقيق اكتشاف كبير في تلك المنطقة، حيث باعت 50٪ من حصتها إلى شركة جاز دي فرانس بمبلغ يناهز 250 مليون دولار، وكان رقماً تاريخياً في هذا الوقت، وحققت هذه الشركة أرباحاً كبيرة من هذه الصفقة نتيجة اختيار أحسن الأوقات والظروف للبيع، لاقتناص أحسن فرصة ممكنة لتحقيق أقصى ربح ممكن.

شركة BP نفسها باعت امتيازها في جابكو بعد تحقيق اكتشاف كبير في حقل يوليو واختبار بئر يوليو-14 به عند 14 ألف برميل/يوم، وكان اكتشافاً كبيراً ومذهلاً في مياه خليج السويس وفي حقل قديم، وكذلك تحقيق اكتشاف طبقات جديدة في منطقة LL-87-4 البحرية وبها احتياطيات ضخمة.

وعندما تراجع هذه الأحداث تجد أن نفس الظروف تتكرر مع BP، وذلك بتخارجها بعد تحقيق اكتشاف دنيس غرب الكبير في البحر المتوسط، وهي تطبق نفس المفهوم والأسلوب الذي اتبعته من قبل، واتبعته شركات عالمية أخرى في اقتناص الظروف السانحة لتحقيق أقصى ربح ممكن.

لذلك فإن تخارج BP هو دلالة على وجود ما يستحق البيع وتحقيق أرباح مجزية أيضاً، وليس دلالة أبداً على انهيار أو سوء أوضاع، هي فرص تقتنصها الشركات الكبرى لتحقيق أرباح عاجلة، حتى وإن كانت أقل مما ستحققه لو استمرت، لأن القيمة الحالية دائماً أفضل مما يتحقق على مدار سنوات، وهو مبدأ تجاري واقتصادي معروف.

نسوق هذه الأحداث حتى يطمئن من يتملكه القلق تجاه هذا التخارج، وأن يعرف أن هذا التخارج هو دلالة على قيمة كبيرة لما تمتلكه الشركة من احتياطيات، وبالتبعية لقطاع البترول، وأن ما يحدث هو مجرد استغلال للفرص شأنها شأن أي شركة تعمل في هذا المجال.

ويجب أن يكون معلوماً أن الشركة لم تكن تستطيع البيع وإقناع الآخرين بالشراء إذا كانت حالتها مثل حالة «فوفا» في فيلم «الناظر»، إذن ابتسموا قليلاً، لعل الأيام تأتي بالأفضل.
والسلام .

#سقراط




تم نسخ الرابط