الخميس 17 سبتمبر 2026 الموافق 06 ربيع الثاني 1448

د جمال القليوبي يكتب: أسعار النفط ما بين رقعة اتساع الحرب والفائدة على الدولار

130
المستقبل اليوم

هناك تباين واضح في الوصول الي التقاء او تفاوض بين الأمريكيين والإيرانيين ،بينما علي  الجانب الأخرب تتحرك اليه أسعار النفط اليوم بين قوتين شديدتي التأثير: اتساع رقعة الحرب الأمريكية–الإيرانية وما يصاحبها من تهديد مباشر لمنشآت الطاقة والممرات البحرية، والسياسة النقدية الأمريكية التي تستخدم أسعار الفائدة لحماية الدولار واحتواء التضخم داخل الولايات المتحدة، بينما تتحمل اقتصادات أخرى جانبًا كبيرًا من التكلفة.

يعتبر التحول الفعلي الحوثي لاحتلال جزيرة ميون «بريم» والمواقع الساحلية القريبة من باب المندب تطورًا عسكريًا يتجاوز حدود الصراع اليمني. فهذه المنطقة تتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومن ثم في الطريق المؤدي إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.

وقد جاء التقدم الحوثي بعد انسحاب مفاجئ وغير واضح الأسباب لقوات تابعة للحكومة اليمنية والمدعومة من السعودية. وترددت تفسيرات بأن الانسحاب ربما كان رد فعل على تقليص الرواتب والمخصصات والدعم العسكري المقدم إلى بعض هذه القوات. لكن هذه الرواية لا تزال بحاجة إلى أدلة رسمية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية. والثابت أن الانسحاب أحدث فراغًا أمنيًا استغله الحوثيون للتقدم إلى مواقع استراتيجية شديدة الحساسية قرب باب المندب. وقد أكدت تقارير دولية انسحاب القوات الحكومية من ميون وسيطرة الحوثيين عليها، دون حسم الدافع الحقيقي وراء الانسحاب.

ولا يمكن فصل هذا التحرك عن اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. فطهران تستطيع الضغط على تجارة الطاقة من ناحية مضيق هرمز، بينما يمنحها الحوثيون أداة ضغط غير مباشرة عند باب المندب. وهكذا تصبح صادرات الخليج واقعة بين نقطتي اختناق، إحداهما عند مدخل الخليج العربي والأخرى عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

يرى عدد كبير من المراقبين أن تعاظم القوة العسكرية للحوثيين ارتبط بالدعم المالي والتقني والعسكري القادم من إيران، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والخبرات التشغيلية. غير أن درجة القيادة الإيرانية المباشرة لكل هجوم تبقى موضع خلاف، حتى مع ثبوت العلاقة الوثيقة بين الحوثيين والحرس الثوري الإيراني.

وقد استخدمت هذه القدرات في استهداف الأراضي السعودية ومنشآت أرامكو وموانئ ومناطق تخزين الخام في ينبع وجازان، إلى جانب محطات الضخ وخط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر. وتكمن أهمية هذا الخط في أنه البديل السعودي الرئيسي لتجاوز مضيق هرمز، وتصل طاقته التصميمية إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا.

لذلك فإن مهاجمة خط انتاج نفط أو محطات لضخه لا تستهدف منشأة منفردة، وإنما تستهدف قدرة السعودية على الاحتفاظ بمسار بديل لتصدير النفط. كما تؤدي الهجمات على الناقلات والموانئ إلى ارتفاع أجور الشحن وأقساط التأمين ومخاطر التأخير، فتُضاف تكلفة الحرب إلى سعر كل برميل قبل وصوله إلى المستهلك.

وتزداد الخطورة مع اقتراب فصل الشتاء، عندما ترتفع احتياجات الدول الصناعية إلى النفط والديزل ووقود التدفئة. كما تسعى هذه الدول إلى إعادة بناء مخزوناتها الاستراتيجية بعد استخدام جزء منها لمواجهة نقص الإمدادات السابق. فإذا تزامنت زيادة الطلب مع تعطل الإنتاج والنقل، يصبح ارتفاع الأسعار نتيجة لنقص مادي حقيقي، وليس للمضاربات وحدها .

بينما يظهر هنا العامل الثاني والأكثر تأثيرا 
وهو استمرار تسعير النفط عالميًا بالدولار. فعندما يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، يزداد عادة الإقبال على الأصول الأمريكية ويقوى الدولار أمام العملات الأخرى. ومن الناحية النظرية، قد يضغط الدولار القوي على السعر الاسمي للنفط لأنه يجعل شراء الخام أكثر تكلفة ويضعف الطلب العالمي. لكن هذه القاعدة تتراجع أمام صدمة كبيرة في الإمدادات.

لذا رفعت الحرب سعر النفط، ورفعت الفائدة قيمة الدولار في الوقت نفسه، تواجه الدول المستوردة ضربتين متزامنتين: ارتفاع سعر البرميل بالدولار، وارتفاع تكلفة الحصول على الدولار نفسه. وقد أشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن تزامن قوة الدولار مع ارتفاع النفط يمكن أن يزيد الضغوط التضخمية، خصوصًا في الاقتصادات المستوردة للطاقة. تستطيع الولايات المتحدة استخدام الفائدة والسياسة النقدية للدفاع عن عملتها وكبح الطلب الداخلي، كما أنها تنتج كميات كبيرة من النفط والغاز. أما الدول الأخرى فتُضطر إلى رفع فوائدها لحماية عملاتها وتقليل خروج رؤوس الأموال، حتى لو أدى ذلك إلى تباطؤ الاستثمار والإنتاج وزيادة تكلفة الاقتراض.

هكذا يصبح الاقتصاد العالمي محاصرًا بين صدمة عسكرية تقلل المعروض وترفع تكاليف النقل والتأمين، وصدمة نقدية تزيد تكلفة التمويل وتثقل ديون الدول والشركات. المنتجون يترددون في ضخ استثمارات جديدة بسبب مخاطر الحرب، والمشترون يؤجلون قراراتهم أو يدفعون علاوة مرتفعة لضمان الإمدادات، بينما تظل الأسواق مترقبة للضربة العسكرية التالية.

إن استمرار الحرب واتساعها، بالتزامن مع بقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة، يعني أن أسعار النفط قد تبقى عند مستويات مرتفعة حتى مع تباطؤ الاقتصاد العالمي. فالسوق لا يسعّر البرميل وحده، بل يسعّر أيضًا احتمال توقف الإنتاج، وصعوبة المرور، وتكلفة السفينة والتأمين، وقوة الدولار.
والنتيجة أن برميل النفط أصبح يتحرك بين صاروخ يهدد الإمدادات وفائدة تحمي الدولار؛ وبينهما تقف اقتصادات العالم أمام معادلة قاسية: طاقة أغلى، وتمويل أعلى تكلفة، ونمو ينتظر اتساع الحرب أو انحسارها….والي تكملة قادمةً




تم نسخ الرابط