الإثنين 07 سبتمبر 2026 الموافق 25 ربيع الأول 1448

الحدود المهنية في بيئة العمل..دكتورة هانم العقيص

133
المستقبل اليوم

تُعد بيئة العمل مساحة لتفاعلات إنسانية وتنظيمية معقدة تتشابك فيها المصالح وتتباين الدوافع، مما قد يضع الموظف تحت ضغوط نفسية مستمرة تستهدف استقراره الذهني وثقته بنفسه. وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية حجم هذا التحدي؛ إذ يتسبب القلق والاكتئاب الناجمان عن ضغوط العمل في خسارة نحو تريليون دولار سنوياً من الإنتاجية العالمية. يثبت هذا الرقم أن الصحة النفسية للموظف ليست رفاهية جانبية، بل هي المحرك الأساسي لاستدامة العطاء والابتكار، وحمايتها تتطلب بناء منظومة متكاملة تدمج بين الوعي النفسي، والتحصين السلوكي، والتوثيق القانوني، والمسؤولية المؤسسية كما يلي:
اولا: الوعي النفسي يبدأمن حماية الذات من الحيل النفسية والضغوط غير المعلنة في مكان العمل؛ سواء عبر التشكيك الممنهج بكفاءة الموظف، أو الإسقاط المهني بتحميله إخفاقات الآخرين، أو الابتزاز بالفرص لفرض تنازلات غير عادلة. ولتجنب هذه المحاولات، يتعين على الموظف تفعيل أدوات الحماية المهنية التي تتمثل في:الصمت البارد من خلال مواجهة الاستفزاز والنقد الهدام بملامح محايدة وتجرد عاطفي لسحب سلطة الموقف من الطرف الآخر؛ فالانفعال هو الوقود الأساسي لاستمرار التجاوزات، إدارة وقت الرد بالامتناع عن تقديم إجابات فورية تحت الضغط، وأخذ مهلة زمنية كافية لمراجعة المهام قبل تقديم أي تعهد تنفيذي، الفصل العاطفي  بالتعامل مع المشكلات الوظيفية بموضوعية تامة دون ربطها بالقيمة الشخصية للموظف ، إتقان الرفض الذكي  التعبير عن الرفض بـ "لا" قاطعة وموجزة للمهام التي تتجاوز الطاقة أو اللوائح، دون الإفراط في الاعتذارات والتبريرات التي تفتح باباً للمساومة.
التوثيق المهني ورسم الحدود بنقل التفاعلات اليومية من إطارها الشفهي إلى صيغة مادية ملموسة تضمن عدم التأويل أو التزييف، وذلك عبر التوثيق الفوري   للتوجيهات والتكليفات الشفهية إلى رسائل بريد إلكتروني تلخص ما تم الاتفاق عليه لتحديد المسؤوليات ، الالتزام بالوصف الوظيفي والتمسك الصارم بالحدود المهنية الرسمية، وتجنب التطوع بمهام غير محددة قد تُستغل ضد الموظف عند حدوث أي خلل خارج عن إرادته ، الشفافية من خلال التوثيق  باشراك الشهود  كأطراف ثالثة في الاجتماعات وتضمين الزملاء في نسخة البريد الإلكتروني (CC) لضمان وجود ثوثيق للمواقف فصل الوقت الشخصي فرض حدود صارمة بين العمل والحياة الخاصة، والامتناع التام عن مراجعة البريد المهني بعد ساعات الدوام وفي الإجازات.
إدارة الأولويات يتطلب الاستقرار الذهني إدارة المجهود اليومي عبر ترتيب الأولويات وفق مصفوفة الأهمية والاستعجال لتجنب تشتت الذهن، إلى جانب تفكيك المشاريع الضخمة إلى أهداف مرحلية صغيرة يسهل قياسها وإنجازها يرافق ذلك الحرص على الكفاءة الجسدية  النوم المنتظم، والمداومةعلى النشاط البدني، والتغذية المتوازنة، مع اعتماد تقنيات التنفس عند الضغط المفاجئ لتهدئة الجهاز العصبي ،الاستراحات الدورية أخذ فترات راحة قصيرة تجدد نشاط الدماغ وتقلل الإجهاد البصري المصارحة والاستشارة  بالتعبير الموضوعي للإدارة عن التحديات، واللجوء للاستشارة المختصة فور ظهور علامات الاحتراق الوظيفي.
التزام القيادة بالمسؤولية حيث لا تقع على عاتق الموظف وحده؛ إذ تتحمل الإدارة العليا ومجالس الإدارة المسؤولية النهائية لتوفير بيئة عمل آمنة عبر ترسيخ ثقافة العدالة والنزاهة من خلال صياغة سياسات صارمة لمواجهة التحرش والتنمر والعنف بكافة صوره، ووضع آليات سريّة لتلقي الشكاوى من الموظفين،إتاحة تكافؤ الفرص ومنع التمييز في التدريب والأجور والترقي، وتكثيف البرامج التدريبية على نفقة المؤسسه، مع دعم المرأة العاملة وتمكين ذوي الإعاقة استخدام سياسة التوازن المرن  بتوفير العدد الكافي من العاملين للمشاريع، وتقديم خيارات مرنة كالعمل عن بُعد أو أسبوع العمل المعدل، ومنع التواصل خلال الإجازات، الرعاية الصحية الشاملة والتي تتضمن خدمات الدعم والإرشاد النفسي في التأمين الصحي والاستثمار في تطبيقات الصحة الرقمية والتواصل المستمر لضمان سهولة وصول الموظفين لهذه الخدمات.
وفي النهاية فإن التمسك بالرسمية المطلقة وبناء الدفاعات المهنية والسلوكية ليس خياراً ثانوياً، بل هو استثمار واعد لحماية السلام النفسي والكرامة الوظيفية. كما أن استثمار المؤسسات في الصحة النفسية هو شرط استراتيجي لضمان استقرار المنظومة وازدهارها؛ فالمؤسسات تملك العديد من الموظفين، لكن الموظف لا يملك سوى عقل واحد وجسد واحد يستحقان الحماية والرعاية أولاً لتأمين الاستدامة والإنتاجية للوطن .

كاتب المقال دكتورة هانم العقيص: استشاري الصحه النفسيه




تم نسخ الرابط