د.عزة سامي تكتب: بين النقد والنقض...أسلوب قيادة
هل يُقاس نجاح المدير بالمردود المالي وحده، أم بقدرته على تحقيق التوازن بين نتائج اليوم، وصناعة كفاءاتٍ تحقق نجاح الغد؟
تؤكد أدبيات الإدارة الحديثة أن المؤسسات المتميزة ليست تلك التي لا تُخطئ، بل تلك التي تتعلّم من أخطائها. وتشير إيمي إدموندسون، أستاذة الإدارة بجامعة هارفارد إلى أهمية مفهوم :"السلامة النفسية" (Psychological Safety)، الذي يقوم على شعور أفراد الفريق بالأمان عند الاعتراف بالخطأ ومناقشته والتعلم منه، دون خوف من الإهانة أو العقاب.
ولعل القيادة هي أكثر ما يكشف الفارق بين بيئة تُبنى بالنقد، وأخرى تُهدم بالنقض.
ورأيت في مسيرتي نموذجين متناقضين للقيادة:
الأول كان يرى أن القيادة تعني السيطرة والظهور، فلا يمنح فريقه فرصة للحديث في الاجتماعات، ويقاطعهم، ويُشعرهم أن رأيهم أقل قيمة من رأيه. وكان يسمح بتدخل الآخرين في اختصاصات إدارته، فتداخلت الصلاحيات، وضعفت هيبة الفريق، حتى أصبح أفراده يترددون في المبادرة.
أما الثاني فكان يؤمن أن نجاحه الحقيقي يُقاس بنجاح فريقه. يمنح كل فرد فرصة للتعبير عن رأيه، ويفوضه في عرض أعماله بنفسه، ويحمي صلاحيات فريقه، ويتولى هو التنسيق مع الإدارات الأخرى. فكانت النتيجة فريقًا واثقًا، متماسكًا، قادرًا على الإنجاز.
وبين النموذجين يتجسد الفارق: الأول مارس النقض؛ فهدم ثقة فريقه قبل أن يهدم أداءه. أما الثاني فمارس النقد البنّاء؛ فبنى الفريق، فانعكس ذلك على نتائج العمل.
القيادة ليست منصبًا يُمنح، بل مهارة تُكتسب وتُطوَّر. لذلك، الاستثمار الحقيقي لا يكون في تطوير الموظف وحده، وإنما في تأهيل من يقوده أيضًا. لأن البشر ليسوا نسخًا متطابقة، فلا يصلح أسلوب واحد مع الجميع.
وتشير أبحاث Gallup إلى أن المدير أو قائد الفريق يفسر نحو 70% من التباين في مستوى اندماج الفريق.
وهنا تأتي قيمة أحد أشهر نماذج التفكير الإداري، القبعات الست للدكتور إدوارد دي بونو، الذي يؤكد أن لكل إنسان نمطًا في التفكير، وما يحفز أحدهم قد يحبط آخر:
(القبعة البيضاء: الحقائق والبيانات - القبعة الحمراء: المشاعر والانطباعات - القبعة السوداء: المخاطر ونقاط الضعف - القبعة الصفراء: الإيجابيات والفرص - القبعة الخضراء: الإبداع والبدائل - القبعة الزرقاء: إدارة التفكير وتنظيمه)
لذلك القائد الناجح هو من يدرك هذا الاختلاف ويمتلك المرونة والذكاء في اختيار الطريقة الأنسب لكل فرد.
وكم من مدير، بقصد أو دون قصد، صنع بيئة عمل يسودها مبدأ "فرّق تسُد"، فانتشرت ثقافة الوشاية، أو ما يُعرف بين الموظفين بـ "مكروب العصفورة"، حتي أصبح تصيّد الأخطاء والتقليل من الآخرين وسيلة لإثبات الذات، وظهرت الشللية على حساب روح الفريق... فالنجاح داخل المؤسسة ليس بطولة فردية، فإذا نجح فرد، ارتفع الفريق، وإذا ارتفع الفريق، نجحت المؤسسة.
ولعل ما قاله الإمام الشافعي منذ قرون يلخص أحد أهم مبادئ النقد البنّاء:
تَعَمَّدني بنُصحِكَ في انفرادي ... وجَنِّبني النصيحةَ في الجماعهْ
فإنَّ النَّصحَ بينَ النَّاسِ نوعٌ ... من التَّوبيخِ لا أرضَى استماعهْ
وفي قطاع البترول نتعلم كل يوم أن مراجعة الإجراءات، وتحليل أسباب القصور، وتطوير طرق التشغيل، هي السبيل إلى تحسين الإنتاج ورفع الكفاءة. فلا أحد يقول إن الطريقة القديمة كانت فاشلة، بل نقول: وجدنا طريقة أفضل.
ختاماً: أي قبعة ترتدي عندما تنتقد؟
إن قدَّرالله لنا في العمر بقية، فربما لنا في الحياة لقاء .....