د جمال القليوبي يكتب: مصر البديل الآمن لمرور النفط العربي إلى العالم
لم تعد التقلبات الحادة في أسعار النفط والطاقة مجرد انعكاس لمعادلات العرض والطلب، بل أصبحت بصورة متزايدة نتيجة مباشرة للصراعات الجيوسياسية التي تحيط بمناطق الإنتاج وممرات التجارة العالمية. ومع استمرار المواجهة الأمريكية–الإيرانية، وتصاعد المخاطر المحيطة بمضيق هرمز وبحر العرب والبحر الأحمر، أصبح أمن نقل النفط الخليجي قضية لا تقل أهمية عن أمن إنتاجه نفسه.
فالنفط قد يكون موجوداً في الحقول، والقدرات الإنتاجية متاحة، ولكن قيمته الاقتصادية والاستراتيجية تصبح مهددة إذا لم يتوافر له طريق آمن ومستمر إلى الأسواق العالمية.
المشكلة الحالية أن معظم البدائل التقليدية تواجه درجات متفاوتة من المخاطر. فمضيق هرمز يمثل البوابة البحرية الرئيسية لصادرات عدد من دول الخليج، وأي إغلاق أو تهديد للملاحة فيه، سواء نتيجة العمليات العسكرية أو استهداف السفن، ينعكس فوراً على أسعار النفط والتأمين والشحن.
وفي المقابل، فإن الاعتماد على خطوط الأنابيب التي تتجاوز هرمز لا يلغي الخطر بالكامل. فالإمارات تمتلك خط حبشان–الفجيرة الذي يسمح بنقل جزء من النفط إلى بحر العرب دون المرور بالمضيق، بينما تمتلك السعودية شبكة خطوط تنقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر. لكن وصول الخام إلى البحر الأحمر لا يعني انتهاء المخاطر؛ فالتوتر في باب المندب واستهداف السفن والمنشآت الساحلية يمكن أن يحول المشكلة من مضيق إلى آخر.
أما العراق فلديه خيار الوصول إلى البحر المتوسط عبر تركيا ومنظومة كركوك–جيهان، إلا أن هذا المسار شهد لسنوات خلافات قانونية وسياسية بين الحكومة الاتحادية العراقية وإقليم كردستان وتركيا بشأن آليات تصدير وتسويق النفط، إلى جانب عوامل تشغيلية وأمنية، وهو ما يؤكد أن تنويع مسارات التصدير أصبح ضرورة استراتيجية وليس ترفاً.
ومن هنا جاءت فكرتي التي قمت فيها بدراسة مستفيضه لممر بري عربي جديد لنقل النفط باتجاه مصر والبحر المتوسط، ليس بديلاً فورياً لكل الشبكات الحالية، وإنما كمسار استراتيجي آمن يمكن أن يرفع قدرة المنطقة على مواجهة الأزمات وإغلاق الممرات البحرية.
تقوم الفكرة على دراسة إمكانية ربط صادرات الإمارات وقطر والبحرين والكويت والعراق بشبكة تجميع إقليمية تتجه إلى منطقة مناسبة في شمال أو شمال شرق السعودية، ومنها عبر شبكة خطوط عالية السعة تتجه غرباً عبر الأراضي السعودية نحو خليج العقبة، ثم إلى سيناء، ومنها إلى موانئ البحر المتوسط والبنية التحتية المصرية حيث ان المناطق الارضيه في كلا الدولتين حاضنه لأمن وامان الخطوط وكذلك تطبيق اعلي معايير تكنولوجيا التسلح الجوي لحماية الخطوط .
وتكتسب منطقة التجميع المقترحة أهمية هندسية كبيرة؛ إذ يجب ألا ينظر إليها باعتبارها مجرد نقطة التقاء للأنابيب، وإنما باعتبارها مركزاً متكاملاً لإدارة تدفقات النفط، يضم محطات القياس Metering Stations، ومحطات الضخ Pumping Stations، ومرافق التخزين، وأنظمة التحكم المركزي SCADA، وأنظمة العزل والحماية والكشف المبكر عن التسرب، مع توفير سعات تسمح بالتوسعات المستقبلية.
وقد ركز التصور الذي أدرسه على اختيار مسارات داخل الأراضي السعودية تستفيد قدر الإمكان من المناطق الأقل تعقيداً تضاريسياً، ابتداءً من مناطق التجميع المرتبطة بشرق المملكة ومراكز النفط الرئيسية مثل رأس تنورة، وصولاً إلى شمال غرب المملكة وأقرب المناطق المناسبة فنياً للربط باتجاه الأراضي المصرية.
لكن خليج العقبة يمثل التحدي الهندسي الأكبر في المشروع ، فالوصول إلى أقصر مسافة جغرافية بين اليابسة السعودية وسيناء لا يكفي وحده لاتخاذ القرار. منطقة تيران وصنافير ومداخل خليج العقبة تتمتع بحساسية ملاحية وبيئية وسياسية وقانونية كبيرة، كما أن أعماق المياه وطبيعة قاع البحر والصدوع والظروف الجيولوجية تفرض إجراء دراسات تفصيلية قبل اختيار وسيلة العبور.
ولهذا يجب مقارنة ثلاثة بدائل رئيسية: خطوط أنابيب بحرية Subsea Pipelines، أو نفق مخصص لخطوط الطاقة Utility Tunnel، أو منشأ هندسي علوي إذا أثبتت الدراسات الفنية والبيئية والملاحية إمكانية تنفيذه. ولا يمكن تفضيل أحد هذه البدائل قبل إجراء الدراسات الجيوتقنية والزلزالية والبحرية التفصيلية.
وقد اعتمد تقييم المسارات المقترحة على مجموعة مترابطة من المعايير تشمل الخصائص الجيولوجية، وطبيعة التضاريس، واستقرار التربة، وحجم أعمال الحفر والردم، وسهولة الإنشاء، وإمكانية الوصول للصيانة، والمتطلبات الأمنية، والقرب من البنية التحتية القائمة، والتأثيرات البيئية، وإمكانية التوسع المستقبلي.
والهدف ليس الوصول إلى أقصر خط على الخريطة، وإنما إلى المسار الأقل مخاطرة طوال العمر التشغيلي للمشروع ، وعند وصول الخطوط إلى سيناء تبدأ الميزة المصرية الحقيقية؛ فمصر لا تقدم مجرد أرض لعبور الأنابيب، وإنما منظومة متكاملة تشمل موقعاً جغرافياً فريداً، وموانئ على البحر المتوسط والبحر الأحمر، وخط سوميد، وقناة السويس، ومناطق تخزين، ومعامل تكرير، وشبكات أنابيب ومراكز تداول وتصدير.
ومن الممكن أن يتضمن التصور إنشاء خزانات استراتيجية جديدة داخل الأراضي المصرية ترتبط بالممر الجديد، بحيث لا يصبح النظام مجرد خط ينقل الخام من نقطة إلى أخرى، وإنما منظومة توفر النقل والتخزين وإعادة التوجيه والتصدير وفق ظروف الأسواق العالمية.
ويبقى العامل الأمني أحد أهم عناصر التصميم. فالممر الاستراتيجي لا ينبغي أن يعتمد فقط على دفن الأنابيب وحمايتها، وإنما على تعدد الخطوط والمسارات، وتقسيمها إلى قطاعات يمكن عزلها، وتوزيع محطات الضخ والتخزين، وإنشاء منظومات مراقبة وتحكم وإنذار مبكر، بما يمنع أن يؤدي استهداف نقطة واحدة أو تعطل محطة واحدة إلى توقف النظام بالكامل.
إن الفكرة في جوهرها ليست استبدال مضيق هرمز أو البحر الأحمر، ولا الادعاء بإمكانية الاستغناء عن طرق التصدير القائمة، وإنما إضافة شريان استراتيجي عربي جديد يقلل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.
وإذا أثبتت الدراسات الهندسية والاقتصادية والبيئية والسياسية جدواه، فإن الممر الخليجي–السعودي–المصري يمكن أن يحول الجغرافيا العربية من مصدر للمخاطر إلى مصدر للقوة، ويمنح النفط العربي طريقاً إضافياً إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية والعالمية.
وعندها تصبح البديل الاستراتيجي الآمن ومركز الارتكاز العربي لتأمين حركة الطاقة من الخليج إلى العالم ولذا أرى أن هذه الدراسة يمكن لي تقديمها الي وزارة البترول المصرية او الي صناع القرار في الحكومة لتبني تلك الدراسة بمافيها من نفع سيعود علي الاقتصاديات العربية وكذلك مصر و هي تصور مستقبلي يحمي دول العرب من التخطيط الذي يستهدف استنزاف موازناتها من الحماية العسكرية الأمريكية دون الحفاظ علي الموارد الاقتصادية …واللي تكمله قادمه