يس وناجي.. ليس كل من غاب عن الإعلام غاب عن المعركة
هناك قاعدة قديمة تقول إن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن في المؤسسات الحكومية كثيراً ما تكتب البيانات الصحفية أسماء من ظهروا في المشهد، بينما يحتفظ الواقع بأسماء من صنعوا هذا المشهد من الأساس.
في أزمة سفينة التغيير بميناء دمياط، تابع الجميع البيانات الرسمية، لكن المتابع المدقق لن يجد فيها اسم المهندس يس محمد، رئيس شركة دمياط للإسالة (الجانب المصري)، ولا اسم المهندس محمود ناجي، وكيل الوزارة والمتحدث الرسمي، فهل يعني ذلك أنهما لم يكونا جزءًا من إدارة الأزمة؟ بالطبع لا.
العمل التنفيذي الحقيقي لا يُقاس بعدد ذكر الاسم في البيانات، ولا بعدد الصور المنشورة، وإنما بحجم المسؤولية، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على التنسيق بين عشرات الجهات في وقت تكون فيه كل دقيقة فارقة.
من يعرف طبيعة العمل داخل وزارة البترول يدرك أن إدارة مثل هذه الأزمات لا تتم بقرار فردي، ولا يقودها شخص واحد مهما كانت مكانته، إنها منظومة كاملة، تبدأ من توجيهات الوزير المهندس كريم بدوي، الذي كان أول المتحركين، ثم القيادات التنفيذية التي تحركت معه، كل في نطاق اختصاصه، قبل أن تصل المسؤولية إلى المهندس والفني والعامل الموجود في موقع الحدث.
ولذلك، فإن اختزال النجاح في اسم أو اثنين ظلم لكل من شارك، كما أن تجاهل أدوار بعض القيادات لمجرد أن أسماءهم لم تُذكر في البيان، ظلم من نوع آخر.
الحقيقة أن هناك رجالاً لا يهتمون بأن تتصدر أسماؤهم الأخبار، بقدر اهتمامهم بأن ينتهي اليوم دون خسائر، وأن تعود الأمور إلى طبيعتها، وأن تنجح الدولة في تجاوز أزمة جديدة، هؤلاء يعتبرون أن أفضل خبر صحفي هو الذي يعلن انتهاء الأزمة، وليس الذي يتحدث عنهم.
أما التحية الأكبر، فهي للجنود المجهولين على متن السفينة، أطقم التشغيل، والمهندسين، والفنيين، والإداريين، الذين واجهوا الموقف في ظروف شديدة التعقيد، وعملوا لساعات طويلة تحت ضغط هائل، دون أن ينتظروا شكرًا أو ظهورًا إعلاميًا، هؤلاء هم الحلقة الأخيرة في سلسلة النجاح، ولولاهم ما اكتملت الصورة.
علينا أن نغيّر ثقافة تقييم الرجال، فلا تجعلوا البيانات الصحفية هي ميزان الحكم، ولا تعتبروا أن غياب الاسم يعني غياب الدور، فهناك رجال يعملون بعيدًا عن الأضواء، لكنهم حاضرون في كل قرار، وفي كل غرفة عمليات، وفي كل أزمة تنتهي بسلام.
وفي النهاية، لا يهم كثيرًا من ظهر اسمه في البيان، بقدر ما يهم أن الدولة نجحت في إدارة الأزمة، وأن كل من تحمل مسؤوليته، من الوزير إلى أصغر فني على متن السفينة، أدى واجبه بإخلاص، فالنجاح الحقيقي لا تصنعه العناوين، بل يصنعه الرجال الذين يعملون عندما ينشغل الآخرون بالبحث عن أسمائهم.
#المستقبل_البترولي