لم تعد الجريمة تخيفنا … سماح فتحي
لم يعد السؤال هو: لماذا زادت الجرائم؟بل السؤال الحقيقي الذي يجب أن يؤرقنا هو: ماذا حدث للإنسان؟
كيف وصلنا إلى مرحلة يقتل فيها الأب أبناءه، ويغدر الابن بوالديه، ويخون الأخ أخاه، ويصبح أقرب الناس هو مصدر الخوف بدلًا من أن يكون مصدر الأمان؟
هل كانت هذه الجرائم موجودة ولم نكن نعرفها؟ أم أننا أصبحنا نعيش زمنًا فقد فيه الإنسان شيئًا من إنسانيته؟
لا أعتقد أن الجريمة تولد في لحظة… إنها تنمو ببطء.
تبدأ عندما يختفي الحوار من البيوت، وعندما ينشغل الآباء عن أبنائهم، وعندما يصبح النجاح أهم من الأخلاق، والمال أهم من المبادئ، والمظاهر أهم من القيم.
تبدأ عندما يصبح الإنسان محاطًا بآلاف المتابعين، لكنه لا يجد شخصًا واحدًا يسمعه عندما ينهار.
تبدأ عندما يتحول الغضب إلى أسلوب حياة، وعندما يصبح التسامح ضعفًا في نظر البعض، والرحمة سذاجة، والعفو خسارة.
ثم نندهش عندما تقع الكارثة.
هناك شيء آخر لا يقل خطورة…
لقد أصبحنا نستهلك المآسي كما نستهلك أي محتوى آخر.
نفتح هواتفنا صباحًا، فنشاهد خبر جريمة، ثم ننتقل إلى فيديو مضحك، ثم إعلان، ثم مباراة، ثم وصفة طعام… وكأن الدم صار مجرد خبر بين خبرين.
الأخطر من كثرة الجرائم… أن اعتياد رؤيتها يقتل فينا الدهشة، ويضعف إحساسنا بقيمتها الإنسانية.
لكن ما يحطم القلب حقًا هو أن الجريمة لم تعد تأتي من غريب يختبئ في الظلام…
بل أصبحت تخرج من داخل البيوت.
من أشخاص جلسنا معهم على مائدة واحدة.
ومن قلوب ظننا أنها لن تؤذينا أبدًا.
وهنا لا يصبح السؤال: من قتل؟
بل يصبح: كيف ماتت الرحمة قبل أن يموت الضحية؟
لا توجد إجابة واحدة.
فالضغوط الاقتصادية، والأزمات النفسية، وتفكك بعض الأسر، وضعف التربية، وتراجع القيم، والإدمان، والعنف المنتشر في بعض المحتويات… كلها عوامل قد تتداخل وتدفع بعض الأشخاص إلى مسارات مأساوية. لكنها لا تبرر الجريمة، ولا تعني أن كل من يواجه هذه الظروف سيصبح مجرمًا.
ولهذا فإن مواجهة الجريمة لا تبدأ من قاعات المحاكم فقط…
بل تبدأ من البيت.
من كلمة طيبة.
من أب يحتضن ابنه.
من أم تلاحظ تغير ابنتها.
من معلم يزرع قيمة.
من إعلام يصنع وعيًا لا إثارة.
ومن مجتمع لا يسخر من الألم، بل يسأل: “كيف نمنع المأساة قبل أن تقع؟”
لأن الأمم لا تنهار يوم تكثر فيها الجرائم…بل تنهار يوم يصبح خبر الجريمة أمرًا عاديًا، ويعتاد الناس رؤية الدم، ويتوقفون عن السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟
وعندما يفقد الإنسان إحساسه بقدسية الحياة…فليست هذه أزمة جريمة فقط…بل أزمة ضمير