الثلاثاء 28 يوليو 2026 الموافق 14 صفر 1448

د جمال القليوبي يكتب: مصر والبنية التحتية وغلق هرمز وباب المندب

115
المستقبل اليوم

 

لم تعد المضايق البحرية في الشرق الأوسط مجرد نقاط جغرافية تعبر منها السفن، بل تحولت إلى مفاتيح تتحكم في أمن الطاقة والتجارة الدولية. ويأتي مضيقا هرمز وباب المندب في مقدمة هذه الممرات؛ فالأول يمثل البوابة الرئيسية لخروج صادرات النفط والغاز من الخليج العربي، بينما يربط الثاني المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. ومن ثم فإن تعطلهما المتزامن لا يعني فقط ارتفاع أسعار الشحن والتأمين، وإنما قد يؤدي إلى إعادة توجيه جانب كبير من تجارة الطاقة العالمية.

وفي هذا السيناريو تبرز أهمية دول العبور، وفي مقدمتها مصر، بما تمتلكه من موقع يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وقناة السويس، وخط أنابيب سوميد، وشبكات نقل وتخزين النفط، ومعامل التكرير، وموانئ تداول الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال. وكلما ارتفعت المخاطر في الممرات البحرية، ازدادت القيمة الاستراتيجية لهذه البنية، وأصبحت مصر مؤهلة للقيام بدور يتجاوز عبور السفن إلى التحول لمركز متكامل لتداول الطاقة وتخزينها وتكريرها وإعادة تصديرها.

لكن من الضروري التفرقة بين دور مصر في تجاوز باب المندب ودورها في التعامل مع إغلاق هرمز. فالبنية المصرية تستطيع تقديم بديل مباشر نسبيًا لعبور باب المندب، خاصة للشحنات التي تصل إلى موانئ البحر الأحمر شمال المضيق. أما إغلاق هرمز فلا يمكن تجاوزه بمجرد استخدام قناة السويس أو سوميد؛ إذ يجب أولًا إخراج النفط الخليجي من منطقة الخليج عبر خطوط أنابيب برية تصل إلى موانئ خارج المضيق، مثل خطوط النقل السعودية المتجهة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، أو خطوط تصل إلى بحر العرب وخليج عُمان.

ومن هنا يمكن بناء ممر لوجستي متكامل يبدأ بنقل النفط الخليجي بريًا إلى ينبع أو إلى موانئ أخرى خارج هرمز، ثم تحميله على ناقلات تبحر شمالًا داخل البحر الأحمر إلى العين السخنة دون الحاجة إلى المرور بباب المندب. وبعد ذلك يُضخ الخام عبر خط سوميد إلى سيدي كرير على البحر المتوسط، ليعاد تحميله وتصديره إلى أوروبا والأمريكتين. وتبلغ الطاقة التصميمية لسوميد نحو 2.5 مليون برميل يوميًا، ما يجعله أحد أهم خطوط تجاوز الاختناقات البحرية في المنطقة، وإن كانت طاقته لا تكفي لتعويض كامل الكميات التي تمر عادة عبر هرمز.

وتزداد أهمية سوميد لأنه لا يمثل مجرد خط أنابيب بين بحرين، بل يرتبط بخزانات وموانئ تحميل وتفريغ تتيح استقبال الشحنات وتخزينها وخلط أنواع الخام وإعادة تصديرها. وهذا يمنح شركات النفط مرونة أكبر في إدارة مواعيد الشحن، ويقلل من اضطرار الناقلات إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، بما يوفر أسابيع من زمن الرحلة ويخفض استهلاك الوقود وتكاليف التأمين وتشغيل السفن.

أما قناة السويس، فتظل المسار الأسرع والأقصر لتجارة السلع والطاقة بين آسيا وأوروبا ما دام البحر الأحمر آمنًا. وفي حالة إغلاق باب المندب، لا تستطيع السفن القادمة من المحيط الهندي الوصول إلى القناة، لكن القناة تظل ذات أهمية لنقل البضائع والطاقة بين البحر المتوسط وموانئ شمال البحر الأحمر، ولخدمة سلاسل إمداد يعاد ترتيبها عبر النقل البري والسكك الحديدية والموانئ المصرية.

ويمكن أيضًا استخدام الموانئ المصرية كمراكز لإعادة الشحن؛ فتصل المنتجات أو المواد الخام إلى موانئ البحر الأحمر أو المتوسط، ثم تنقل عبر الأراضي المصرية بواسطة الأنابيب أو السكك الحديدية أو الشاحنات إلى الساحل الآخر. وتمتلك المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ستة موانئ وأربع مناطق صناعية، ما يسمح بإنشاء مستودعات ومراكز توزيع وتجميع وتصنيع مرتبطة بحركة التجارة الدولية.

ولا يقتصر الدور المصري على النفط الخام، بل يمتد إلى المنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والأسمدة. فمعامل التكرير المصرية تستطيع استقبال بعض الخامات، وتحويلها إلى سولار وبنزين ووقود طائرات وبوتاجاز، ثم توجيهها إلى السوق المحلية أو إعادة تصديرها. كما تستطيع مستودعات التخزين وشركات تداول المنتجات تنظيم مخزون إقليمي يخدم دول المتوسط وأفريقيا، ويحد من تأثير التأخير في وصول الناقلات.

بينما في مجال الغاز، تمتلك مصر ميزة مهمة باعتبارها الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي لديها قدرات تشغيلية لتسييل الغاز وتصديره، إلى جانب قدرتها على استقبال الغاز من الحقول الإقليمية وربطه بالسوق المحلية أو إعادة تصديره.

وبالنسبة لدول الخليج، تمنح البنية المصرية فرصة لتنويع طرق التصدير وتقليل الاعتماد على مسار بحري واحد. ويمكن للسعودية خصوصًا استخدام خطوطها المتجهة إلى ينبع، ثم ربط صادراتها بمنظومة العين السخنة–سوميد–سيدي كرير. أما الكويت وقطر والبحرين والعراق، فتحتاج إلى تطوير تفاهمات إقليمية وخطوط ربط برية مشتركة تتيح الوصول إلى البحر الأحمر أو بحر العرب دون المرور بهرمز، ثم الاستفادة من الممر المصري للوصول إلى أسواق المتوسط. وهناك مسافات قريبه من اليابس المصري في مقدمة خليج العقبة تمنح فرصة كبيره لدول العرب بمرور خطوط النفط عبر خليج العقبة اما من بناء كوبري او نفق لوصول تلك الخطوط الي سيناء ومنها الي مواني البحر المتوسط المصرية .

أما بالنسبة للعالم، فإن مصر تستطيع تقديم منظومة تشمل عبور الطاقة، والتخزين الاستراتيجي، والتكرير، وإعادة الشحن، وتموين السفن، والإصلاحات البحرية، والخدمات المالية والتأمينية والجمركية. وهذا يحول موقعها من مجرد ممر جغرافي إلى منصة دولية لإدارة سلاسل الإمداد في أوقات الأزمات.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار البنية المصرية بديلًا كاملًا لكل من هرمز وباب المندب؛ فالكميات التي تمر عبر هرمز أكبر من قدرة أي خط منفرد على استيعابها. لكنها تمثل أحد أهم مكونات الحل، خاصة إذا دُمجت مع خطوط الأنابيب الخليجية والمخزونات الاستراتيجية والموانئ السعودية والعُمانية.

وفي النهاية، فإن الأزمة الجيوسياسية يمكن أن تتحول إلى فرصة استراتيجية لمصر، بشرط زيادة سعات التخزين المصرية ، وتطوير موانئ العين السخنة وسيدي كرير والإسكندرية ودمياط وبورسعيد، وربطها بشبكة نقل متعددة الوسائط. وعندئذ تصبح مصر ليست فقط دولة عبور، بل صمام أمان إقليميًا لتجارة النفط والغاز، وأحد أهم البدائل العالمية عند اضطراب مضيقي هرمز وباب المندب.




تم نسخ الرابط