مصر للبترول تغير قواعد اللعبة: 200 محطة مطورة و6 زيوت جديدة والبقية تأتي
هناك شركات تعيش على تاريخها، وأخرى تصنع تاريخًا جديدًا كل يوم، وبين الفئتين تقف شركة مصر للبترول، التي تجاوز عمرها تسعة عقود، لكنها اختارت خلال السنوات الأخيرة أن تدخل مرحلة مختلفة عنوانها: التطوير بدلاً من الاكتفاء بالمكانة التاريخية، وهذا عكس شركات نظيرة ظلت ثابتة بسبب فشل قياداتها .

لم يعد الهدف مجرد بيع الوقود، بل تقديم تجربة متكاملة داخل محطات الخدمة، وتطوير صناعة الزيوت، ورفع كفاءة الأصول، وتنفيذ مشروعات تحقق عوائد مستقبلية، بما يواكب استراتيجية وزارة البترول والثروة المعدنية ، بقيادة المهندس كريم بدوي، والمهندس صلاح عبدالكريم رئيس الهيئة، لتحديث شركات التسويق وتطوير الخدمات المقدمة للمواطن.
المحطات.. من نقطة تموين إلى مركز خدمات
من يتجول اليوم داخل عدد كبير من محطات مصر للبترول يلاحظ الفارق بوضوح، تصميمات حديثة، ومساحات أكثر تنظيمًا، وأنظمة سلامة وإطفاء متطورة، وهوية بصرية جديدة تعكس شكلًا مختلفًا للشركة.

وخلال عامين فقط، جرى تطوير ما يقرب من 200 محطة بمختلف المحافظات والمدن والقرى، لتصبح المحطة مركزًا متكاملًا للخدمات، مع إدخال علامات تجارية وأنشطة استثمارية داخل المحطات، بما يرفع جودة الخدمة ويعظم الاستفادة من الأصول.

وتؤكد البيانات الرسمية أن الشركة واصلت هذا النهج، حيث طورت 200 محطة وشغلت 7 محطات جديدة خلال عام 2024/2025، ليصل إجمالي شبكة محطاتها إلى 1562 محطة على مستوى الجمهورية، مع استثمارات بلغت 477 مليون جنيه في السلامة والصحة المهنية وأنظمة الإنذار والإطفاء، إلى جانب استمرار إنشاء محطات جديدة ضمن خطط التوسع.
السلامة.. استثمار لا يُرى لكنه يُصنع كل يوم
لم يكن تطوير الشكل الخارجي هو الهدف الوحيد، فالمعادلة الجديدة اعتمدت على رفع معايير السلامة والصحة المهنية داخل المحطات، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تشغيل منشآت تداول المنتجات البترولية.

ولهذا جاءت الاستثمارات الموجهة لأنظمة الإنذار والإطفاء وتحديث معدات التشغيل لتضع السلامة في مقدمة أولويات التطوير، وهو ما يتوافق مع توجهات وزارة البترول التي تؤكد باستمرار أن السلامة ليست بندًا في الموازنة، وإنما ثقافة عمل.
الزيوت.. صناعة محلية تقلل الاستيراد
من جهة أخرى، كانت الزيوت أحد أكثر الملفات التي شهدت تطورًا.
فاتجهت مصر للبترول إلى التوسع في إنتاج الزيوت التخليقية محليًا، وإضافة ستة أصناف جديدة للسوق المصرية، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، مع الحفاظ على الجودة والمواصفات الفنية، وطرح المنتجات بأسعار تنافسية.

كما واصلت الشركة تحديث مجمع الزيوت بالإسكندرية لزيادة قدراته الإنتاجية والتصديرية، خصوصًا للأسواق الإفريقية والعربية، بالتوازي مع التوسع في تسويق منتجاتها وزيادة حصتها السوقية. وتشير المؤشرات المالية إلى أن نشاط الزيوت حقق نموًا ملحوظًا في الأرباح خلال العامين الماضيين مقارنة بالسنوات السابقة، مدعومًا بارتفاع المبيعات وتنوع المنتجات.
مشروعات لا تبحث عن عائد سريع
وراء النتائج الحالية توجد استثمارات لن تظهر آثارها كاملة إلا خلال السنوات المقبلة.
فالشركة تمضي في إنشاء محطات جديدة، وتوسيع مجمع الزيوت، والتوسع في تموين الطائرات بالوقود، إلى جانب الاستثمار في الأنشطة والخدمات المكملة داخل المحطات، وهي مشروعات تستهدف تعظيم الإيرادات ورفع كفاءة استغلال الأصول، وليس مجرد تحقيق أرباح قصيرة الأجل.

الأرباح.. نتيجة طبيعية للتطوير
عندما تتحسن الخدمة، وتتوسع المنتجات، وتزداد كفاءة الأصول، تصبح زيادة الأرباح نتيجة منطقية.
وقد انعكس هذا النهج على الأداء المالي للشركة خلال العامين الماضيين، حيث ارتفعت مؤشرات الربحية مقارنة بالأعوام السابقة، مدفوعة بزيادة المبيعات، وتطوير شبكة المحطات، ونمو نشاط الزيوت، والتوسع في الأنشطة الجديدة، وهو ما يجعل التطوير استثمارًا يحقق عائدًا مستدامًا، وليس مجرد عملية تجميل للشكل الخارجي.
مصر للبترول.. من شركة وقود إلى علامة اقتصادية
ربما يكون أكبر ما تحقق خلال السنوات الأخيرة هو تغيير فلسفة العمل نفسها. فالشركة لم تعد تنظر إلى المحطة باعتبارها مضخة وقود، ولا إلى الزيوت باعتبارها منتجًا تقليديًا، وإنما أصبحت تنظر إلى كل أصل باعتباره فرصة للنمو.
القيادة.. عندما يكون اختيار الرجال نصف النجاح
قد تختلف الآراء حول أساليب الإدارة، لكن هناك قاعدة لا يختلف عليها اثنان؛ وهي أن المؤسسة الناجحة تبدأ من حسن اختيار من يديرها، وهذا ما يمكن ملاحظته في التجربة التي قادها المهندس محمد ماجد بخيت على رأس شركة مصر للبترول.

لم يكن الرجل يبحث عن صناعة بطولات فردية أو الظهور الإعلامي، بقدر ما كان يعمل على إعادة بناء فريق العمل، مؤمنًا بأن أي خطة تطوير لن تحقق أهدافها إذا لم تجد من ينفذها بكفاءة. ولذلك كانت فلسفته تقوم على مبدأ بسيط لكنه شديد الصعوبة في التطبيق: الرجل المناسب في المكان المناسب.

ومع مرور الوقت، بدأت نتائج هذه السياسة تظهر داخل قطاعات الشركة المختلفة. فكل إدارة أصبحت تتحمل مسؤولياتها بصورة أكبر، وأصبحت القرارات أقرب إلى مواقع التنفيذ، وهو ما انعكس على سرعة الإنجاز في تطوير المحطات، والتوسع في الخدمات، وتحسين الأداء التجاري، وزيادة معدلات الربحية.

ومن بين النماذج التي برزت خلال هذه المرحلة الدكتور شادي محمود، مساعد رئيس الشركة للسوق الداخلي، وهو أحد أبناء مصر للبترول الذين نشأوا داخل الشركة وتدرجوا في مواقعها المختلفة، حتى أصبح يمتلك معرفة دقيقة بطبيعة السوق وشبكة المحطات واحتياجات العملاء. ولم تكن خبرته مجرد خبرة إدارية، بل خبرة ميدانية صنعتها سنوات طويلة من العمل داخل الشركة، وهو ما ساعد على تنفيذ خطط تطوير السوق الداخلي بكفاءة، ومد جسور التعاون مع مختلف الإدارات لتحقيق مستهدفات التطوير.


والحقيقة أن نهضة مصر للبترول لم تكن نتاج قرار منفرد أو جهد شخص بعينه، وإنما ثمرة فريق عمل اختير بعناية، حصل على الثقة، وتحمل المسؤولية، فانعكس ذلك على مؤشرات الأداء التي شهدتها الشركة خلال العامين الماضيين. وعندما تتكامل الرؤية مع الكفاءة، يصبح التطوير نتيجة طبيعية، وليس مجرد شعار يرفع في المناسبات.

وهكذا تمضي مصر للبترول في رحلة تجمع بين تاريخ يمتد لعقود، ورؤية جديدة تقوم على التطوير المستمر، والتصنيع المحلي، وتعظيم العائد، لتظل واحدة من أهم الشركات الوطنية التي تراهن على المستقبل بقدر ما تعتز بماضيها.
#المستقبل_البترولي