مروه عطيه تكتب... راحوا فين حبايب الدار؟
يظن الناس أن اليُتم لا يعرف إلا الأطفال... لكنهم لا يعلمون أن اليُتم الحقيقي قد يأتي متأخرًا، حين يرحل الأب والأم، ويجد الإنسان نفسه، مهما بلغ من العمر، وحيدًا أمام الدنيا.
لقد كبرتُ في سنوات العمر، وخبرتُ من الحياة ما يكفي، وواجهتُ من أيامها الحلوة والمُرة الكثير، لكنني اكتشفت أن الإنسان لا يكبر أبدًا على احتياجه إلى أبٍ يسنده، أو أمٍ تحتضنه بالدعاء.
كان وجودهما يمنح الحياة معنى لا ننتبه إليه إلا بعد الرحيل.
كان يكفي أن أعرف أنهما بخير، حتى أشعر أن الدنيا لا تزال بخير.
واليوم... بعد أن رحل أبي، ثم لحقت به أمي، أدركت أن هناك أبوابًا إذا أُغلقت، لا يفتحها الزمن، وأن هناك فراغًا لا يملؤه أحد.
لم يعد في الدار رائحة امى، ولا صوت تسبيح أبى.
رحل من كانوا يحبونني لأنني أنا، لا لما أملك، ولا لما حققت، ولا لما أصبحت.
رحل الذين كانت محبتهم نعمة خالصة، لا يشوبها شرط،
واليوم، كلما عدت إلى البيت، شعرت أن شيئًا من روحه قد غاب.
فالأماكن لا تصنعها الجدران...
بل يصنعها الأحبة.
وقد رحل حبايب الدار.
يقولون لي: لقد رحلا وقد كبرتِ...وأبتسم في صمت...لقد رحلا وتركاني كبيرةً... لكنهما تركاني يتيمة.
رحلا بعد أن كبرتُ، لكن اليُتم لا يعرف عمرًا.
تركاني وقد بلغتُ من العمر ما بلغت، لكنهما لم يتركا في قلبي إلا حنينًا لا يشيخ.
فالكِبَر في العمر شيء، واليُتم شيء آخر.
يبقى الإنسان طفلًا كلما اشتاق إلى أمه، وكلما تمنى أن يسمع صوت أبيه مرةً أخرى، ولو في المنام.
ولعل أصعب ما في الفقد، أنه لا يعتاد الغياب، بل يتعلم كيف يعيش معه.
فتصبح الذكريات وطنًا، والدعاء لقاءً، والحنين حديثًا لا ينتهي.
رحم الله أبي... ورحم الله أمى... ورحم الأيام التي كانا فيها يملآن البيت حياةً، ويملآن القلب أمانًا.
وإن كان العمر قد علمني أشياء كثيرة، فقد علمني الفقد حقيقة واحدة لا تتغير...
أن الإنسان قد يشيب شعره، وقد تملأ التجاعيد وجهه، لكنه لا يكبر أبدًا على أن يكون ابنًا لأبيه، وابنةً لأمها.
وما أقسى أن يستيقظ المرء يومًا، فيدرك أن حبايب الدار... راحوا خلاص.